السفيرُ الخامس-1-

 

 

استعراض لحياة ومرجعية الإمام الصدر والعلاقة بين الحوزة والجماهير

 

تأليف عباس الزيدي المياحي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِى دِينِ.

 

هدمتُ مخططات ألف سنة. الأمام الصدر (رض(.

إننا لا نريد انتفاضة باسم محمّد الصدر. محمّد باقر الحكيم / بعد شهادة الأمام الصدر (رض(

 

تقديم لأبي سيف الوائلي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

اللّهمّ إنّي أفتتح القول بحمدك وأنطق بالثّناء عليك، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على خير الانام محمّد وآله الطيبين الطاهرين الكرام تاريخ وسيرة الأمام الصدر المقدس (رض) أكبر تجربة إسلامية تمرّ بالعراق والعالم الإسلامي، ولا يمكنني وغيري أعطاء حصة ولو يسيرة من التقييم له ولأخلاقه ولتقواه ولشجاعته وغيرها من الصفات التي تحلى بها ولم نكن نعرفها في الواقع المعاش وإنما مجرد كلمات تسمع من على المنابر أو في الكتب الأخلاقية. فالأمام الصدر المقدس (رض) مثالي بكل ما في الكلمة من مضامين ولا أظن أمثاله يتعدون أصابع اليدّ الواحدة في التأريخ الإسلامي إذا ما استثنينا المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام). وبحكم قربي منه (رض) فقد أغترفت من معينه الكثير الكثير، فلا مبالغة إذا قلت أنني رأيت فيه نبي الإسلام (ص) أو أمير المؤمنين (ع) أو الحسين (ع)، وقد أدركتني أيدي الرحمة حينما تعلقت به وقلدته وأخيراًً حين أناط بي مسؤولية شؤون مرجعيته خارج العراق. ولا أريد أن أطيل على سيدي القارئ لذلك فسوف أبدأ رحلتي معه بأختصار بدأت علاقتي معه (رض) ببعض الأسئلة التي كنت أطرحها عليه، ونقلي مبالغ من جهة الخمس وباقي الموارد الشرعية، وحينما رآني كثير الحركة بينه وبين فئة من فئات المجتمع أوعز ألي بالمسؤولية السالفة وذلك بأنني كنت على موعد معه في منزله في الحنانة فقال: أريدك أن تنشر مرجعيتي خارج العراق. وتدعمها إعلامياً، وعملك هذا أريده سرياً، حتّى لا تتعرض لمخاطر وخصوصاً أنك لست رجل دين وتستطيع التحرك بحرية أكبر. عندها شرعت بأرسال مؤلفات الأمام الصدر المقدس (رض) والاستفتاءات والنشرات التي كانت تصدر من النجف الأشرف بخصوص مرجعية الأمام الصدر المقدس (رض) وغيرها إلى خارج العراق، كلبنان وسورياً ودول الخليج وأيران. وبعد سفر الشيخ محمّد النعماني (رحمه الله) إلى الأمارات أمرني الأمام الصدر المقدس (رض) في أن أكون الواسطة في الاتصال بينهما، وكان من ضمن الأمور التي طرحها الشيخ النعماني وهو في الأمارات أن يبعث إليه الأمام الصدر المقدس (رض) بعدد من نسخ الوكالات لبعض الشخصيات الموجوده خارج العراق. فذهبت إلى منزله (رض) فقال لي: أريد منك الذهاب إلى إيران لغرض فتح مكتب والدعوة لي، ففي أيران يسيئون الظن بي، وبعض الشخصيات تتناولني على المنابر، وأنا أرى أنّه لا يستطيع أحد القيام بهذه المهمة غيرك. فقلت: سيدناً أنا في خدمتك ولكن هل تراني أستطيع القيام بهذه المهمة. وأنا لا يوجد عندي أي شخص أعرفه في إيران ولست برجل دين ولا أعرف الفارسية. فقال: أنا أعتقد أنّه لا يستطيع غيرك ذلك. فلبيت أمره. فقال: توقع كُلّ شيء فأن سفرك فيه خطورة ولعلك تقتل في الطريق أو تعتقل من قبل الدولتين. فماذا تقول؟ هل تقبل الذهاب؟ فقلت: وماذا ترى سيدناً هل أستطيع كُلّ ذلك. قال: نعم أنك تستطيع أكثر من ذلك. ثُمّ قال: إتصل بالشيخ محمّد النعماني وأخبره أن يتصل بالأخوه في إيران، ليخبرهم بأن السيد محمّد الصدر سوف يرسل أحد وكلائه وخاصته، ويخبرهم بأسمك. ويتصل بأحدى نساء أسرتنا هناك في إيران لتوثقك. وبعد هذا الكلام بحوالي خمسة عشر يوماً تيسر الطريق، وقبل السفر كنت عند الأمام الصدر فأمرني بأخذ أشرطة أفلام الفيديو واشرطة المسجل لصلوات الجمعة مع صور وكتب كهدايا للسيد كاظم الحائري والسيد محمود الهاشمي والشيخ محمّد رضاً النعماني ونشرها في إيران، ثُمّ وضع (رض) يده الشريفه على رأسي وأخذ يدعو لي بدعاء ما سمعت منه إلا "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد". فقدمت إلى إيران وذلك بعد الجمعة السابعة التي أقامها شهيدنا المقدس في الكوفة. وعند وصولي إلى قم أستضفت عند أحد الأصدقاء القدماء وهو الاخ "أبو زهراء" وفي نفس اليوم توجهت إلى مكتب السيد "كاظم الحائري" فالتقيت السيد "أباً مصطفى" محمّد حسين الحائري وهو أخو السيد كاظم الحائري، فأتصلت ببيت السيد الحائري من المكتب وتواعدنا في المكتب بعد صلاة المغرب، ثُمّ أتصلت مباشرة بالشيخ محمّد رضاً النعماني فتواعدت معه في مكتب السيد الحائري أيضاً بعد المغرب. وعند الموعد التقيت بالسيد الحائري ومعه عدد من رجال الدين من موظفي المكتب، فقدمت إليهم صور صلاة الجمعة في الكوفة. فأخذوا ينظرون إليها بتعجب فقلت سيدناً هذه الكتب هدية من سماحة السيد الصدر، وعندي رسالة خاصة منه إليك القيها عليك سراً فقال: ليست عندي لقاءات خاصة، وأنما لقاءاتي معلنة، فقلت: لكن السيد الصدر أوصاني أن تكون سرية. فقال: أنا لا توجد عندي أية أتصالات سرية مع سيد محمّد. فكررت عليه فقال: كُلّ من يتواجد عندي من ثقاتي وهم كأولادي. فسكت فأنبرى أحد الشيوخ وهو ينظر إلى إحدى الصور قائلاً: هذا التجمّع اكيد وراءه السيد محمّد سعيد الحكيم لأنه ثوري من أسرة ثورية. فقلت له: لا، أن سعيد الحكيم حرم صلاة الجمعة. فقال: هذا كذب. فقلت له: أنت كاذب. أنا في العراق أعيش فيه وأعرف ما فيه. فقال: منذُ متى أصبح العراقيون يصلون بهذا العدد. فقلت وأنا اشير بأصبعي إليهم جميعاً: عند ما خرجت "الزبالة" من النجف. فالتفت أخيراًً إلى السيد الحائري فقلت له: سيدناً هل تعطيني موعداً خاصاً أم ما زلت مصراً. فقال: أنا ما عندي أية لقاءات خاصة. فقلت: الظاهر أن السيد ليس أهلاً لهذه الرسالة. ثُمّ نهضت وخرجت وعند باب المكتب التقيت بالشيخ محمّد رضاً النعماني وهو داخل فسلمت عليه ودخلناً إلى سرداب المكتب وكان مرحباً بي أفضل من الآخرين، فسألني عن أحوال وأوضاع الأمام الصدر المقدس، وبعد ذلك أخبرته بالرسالة أذ كانت موجهة أليه مع الحائري، وكان فحواها افتتاح مكتب للأمام الصدر المقدس في قم ودعمه إعلامياً. فأعتذر بأنه مريض لا يتمكن من ذلك، وأعتذر عن السيد الحائري بأنه رجل مريض وكبير في السن وهذه طبيعته في التعامل مع الناس، وأخبرني أن الأمام الصدر المقدس قد بعث إليه في وقت سابق بنفس الأمر وقدَّم طلباً لهذا الغرض إلى الدوائر المختصة فلم يأتِ الردّ بالموافقة. فأعطيته الأمانات التي أرسلها بيدي الأمام الصدر المقدس وخرجت من المكتب. وفي صباح اليوم التالي توجهت إلى مكتب السيد محمود الهاشمي، فعرَّفت مسؤول تشريفات المكتب بنفسي فرحب بي ترحيباً كبيراً ومشكوراً، فطلبت لقاء السيد محمود الهاشمي لكوني أحمل رسالة من الأمام الصدر المقدس إليه. فأخبرني أن السيد الهاشمي متواجد حالياً في خراسان لزيارة الأمام الرضا (ع)، وبعدها تجمّع أعضاء المكتب وفرحوا بأخبار الإمام الصدر المقدس والعراق وأخذوا بالدعاء له بطول العمر، وأن يحفظه الله من الطاغية ومن المنافقين. أتصل بعد ذلك مسؤول التشريفات بالسيد الهاشمي في خراسان، وأخبره بقدومي والغرض الذي جئت من أجله فكلمني السيد الهاشمي بالهاتف. وبدأ بالسؤال عن أحوال الأمام الصدر المقدس وعن أوضاعه، وبلغته برسالة الأمام الصدر المقدس. ولكنني أحسست باليأس من الجميع، فأتخذت منزل الاخ "أبي زهراء" كمركز للدعوة إلى مرجعية الأمام الصدر المقدس، فكنت التقي بالأخوة العراقيين وأتحدث إليهم عن الوضع الحالي في العراق، وأوزع صور صلاة الجمعة وأشرطة الفيديو وغيرها. وبدأ العراقيون بالتوافد إلى البيت بكثرة ولهفة، وطلبت من الأخ "أبي زهراء" وبعض الأخوة أن يستمروا في الدعوة لأني كنت على وشكّ العودة إلى العراق. وهكذا بقيت في إيران حوالي شهر واحد. ووجدت تجاوباً كبيراً من العراقيين في إيران، وكانت أنفعالاتهم واضحة بعد أن رأوا اشرطة الفيديو. فأصبحت هذه الرحلة بمثابة النواة الأولى لمرجعية الأمام الصدر المقدس في إيران. وقبل يومين من عودتي إلى العراق أتصلت بالشيخ محمّد رضاً النعماني لأسمع الكلام الأخير على طلب الإمام الصدر المقدس فذهبت إلى منزله ومعي اثنان أحدهما "أبو زهراء" فسألت النعماني عن الأمل في أفتتاح مكتب فأجاب: أستبعد أن تحصل موافقة عليه. وأنا أريد أن أوصيك وصية توصلها إلى السيد محمّد. لماذا هذا الضغط على النساء السافرات ليحرم ركوبهن في سيارات الأجرة، ويحرم البيع والشراء معهن. إنّنا لا نريد ضغطاً على النساء فتأتي النتيجة عكسية مثلما حصل هنا. وأخبره أن الشيخ محمّد رضاً النعماني يسلم عليك ويقول لك: "ما هكذا تورد يا سعد الأبل" وبعد ذلك بيومين عدت إلى عراق الإسلام، وفي أول يوم من وصولي إلى عراق الإسلام توجهت إلى منزل مولى المؤمنين الأمام الصدر المقدس (رض) في النجف الأشرف، فالتقيت به في منزله وبرفقتي الشيخ الشهيد محمّد النعماني (رحمه الله)، وكان لتوه قادماً من لبنان فأخبرني الشيخ الشهيد النعماني بأن الأمام الصدر المقدس اخبره البارحة بأن أباً سيف سوف يأتي عن قريب وكان الوقت بعد صلاة العشاء. فدخلت عليه (رض) فأعتنقني بحرارة وبعد الجلوس حدثته بكل شيء حدث في إيران، وكلام السيد الحائري والسيد الهاشمي والشيخ محمّد رضاً النعماني فأنزعج من كلام محمّد رضاً النعماني، وقال: الآن دعني أفكر في الأمر. وأنت أرجع إلى عملك في التغطية الإعلامية لصلاة الجمعة هنا لأنه أوعز لي بمهمة التغطية الإعلامية لصلاة الجمعة في بداية صلاة الجمعة في الكوفة. وبعد شهرين تقريباً التقيت به (رض) فقال: سوف أبعث معك أمانة إلى أيران وهي أمانة غالية السيد جعفر الصدر ولكن أذا مسكوه فسوف يساومونني على الكثير حتّى على صلاة الجمعة، وأنا أرى أنك ستنجح في إنجاز هذه المهمة وسيكون قلبي معكم. وبعد أربعة أيام من هذا اللقاء توجهت وبرفقتي السيد جعفر الصدر، فدخلناً إلى الأراضي الأيرانية بعد رحلة متعبة وشاقة ومخاطر. فوصلنا الأهواز فأتجهنا إلى منزل الشيخ حسن فرج الله، الذي كان الوحيد في رحلتي الأولى موافقاً على مساندة الأمام الصدر المقدس، وأعطيته وكالة في ذلك الوقت. فرحب بنا وخرج وبكى للقاءنا. فأتصلنا بالشيخ محمّد رضاً النعماني وهو في قم فجاء في نفس اليوم إلى الأهواز وأخذ السيد جعفر الصدر وأنا رجعت في اليوم التالي إلى العراق لأمر الأمام الصدر المقدس بذلك، فأوصلني الشيخ حسن فرج الله إلى الحدود حيثُ كان ينتظرني المهربون. وفي نفس يوم وصولي إلى عراق الإسلام ذهبت مباشرةً إلى النجف فالتقيت الأمام الصدر المقدس (رض) فأخبرته بوصول السيد جعفر، ففرح كثيراً وذكر كلاماً كثيراً يمدحني فيه أتحاشى ذكره الآن. وبعد أسبوع التقيت به (رض) فقال: هيأ نفسك لنقل العلوية زوجة السيد جعفر الصدر إلى أيران. وبعد أكثر من شهر من هذا اللقاء، قمت بنقل العلوية إلى أيران، وبعد وصولنا إلى عبادان في بيت أقارب الشيخ محمّد رضاً النعماني تركت العلوية عندهم، وفي عبادان أخذتني نقطة تفتيش في أحد شوارعها لعدم وجود مستمسك رسمي. فبقيت في السجن ثمانية أيام. فتدخل الشيخ محمّد رضاً النعماني والسيد جعفر الصدر فأطلق سراحي. فتوجهت إلى قم وكان النعماني قبل ذلك قد أوصل العلوية إلى السيد جعفر. فبقيت حوالي أسبوع بعد ذلك ورجعت إلى عراق الإسلام وأيضاً ذهبت إلى النجف وإلتقيت بالأمام الصدر المقدس وبلغته كافة الأحداث ووصول العلوية فأستأنس كثيراً. وبعد حوالي شهر أي بعد الخطبة السابعة والعشرين للإمام الصدر في مسجد الكوفة المعظم، أمرني (رض) بالسفر إلى أيران وأفتتاح المكتب في مدينة قم، وأعطاني والسيد جعفر صلاحيات واسعة منها اعطاء وكالات خارج إيران، والتصرف في الحقوق بما تقتضيه المصلحة، وغيرها من الإعلام والدعوة لمرجعيته (رض)، فسافرت إلى إيران للمرة الرابعة عبر الحدود فأبلغت السيد جعفر الصدر بأوامر الأمام الصدر المقدس بالمباشرة بافتتاح المكتب، وفي ليلة ولادة أمير المؤمنين (ع) 13 رجب 1419هـ أفتتحنا المكتب بعد صلاة المغرب، وفي اليوم التالي أتصل بنا مكتب لبنان بأن لنا رسالة جاءت من الأمام الصدر المقدس عن طريقهم بالفاكس. وكانت الرسالة عبارة عن كلمة موجهة إلى طلبة السيد الشهيد والعراقيين في المهجر فأتصلنا بالعراق وكان على الهاتف الشيخ الشهيد محمّد النعماني (رحمه الله) فأبلغنا بأن الأمام الصدر المقدس يأمر بإقامة حفل أفتتاح المكتب، والقاء هذه الكلمة نيابةً عنه، وفي اليوم الخامس لأفتتاح المكتب ذهبت والسيد محمّد جعفر إلى منزل الشيخ محمّد رضاً النعماني لكي يلقي الكلمة نيابة عن الأمام الصدر المقدس فرفض إلقاء الكلمة، وقال للسيد محمّد جعفر: أترك المكتب وأترك الدعوة للسيد محمّد واتجه إلى الدرس. فرد عليه السيد جعفر وأشتد الكلام بينهما فقال النعماني: إن محمّد الصدر لم يثبت اجتهاده وليس عنده أجازة بالأجتهاد ولا تلوث سمعة أبيك لأن محمّد الصدر لا يساوي أظفر أبيك. فخرجنا منه. وفي نفس اليوم عصراً ذهب السيد محمّد جعفر الصدر إلى مكتب السيد كاظم الحائري لكي يدعوه لحضور حفل الافتتاح. فرفض السيد الحائري قبول الدعوة وقال: ماذا يفعل محمّد الصدر بالمكتب هنا، إلا تكفيه النجف؟ وذكر اموراً أخرى نحن في غنى عنها الآن. فخرج السيد محمّد جعفر وهو غير راضٍ، وفي اليوم السابع من أفتتاح المكتب بُلغنا بالمنع من إقامة الحفل، وفي اليوم الثامن أغلق المكتب وختم بالشمع. وبعد أغلاقه بحوالي شهر عدت إلى عراق الإسلام فأبلغت الأمام الصدر بما حدث وكانت حينها مناسبة ولادة الأمام المهدي (عج) في شعبان 1419 والأزمة في قمتها مع النظام فأخبرته بما يلي: موقف الشيخ محمّد رضاً النعماني، وموقف السيد كاظم الحائري وأخبرته أن الشيخ حسين المؤيد قد أنزل صورة السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) من مكتبه، وقال: إنني لا أريد أن أنسب إلى هؤلاء المشبوهين كمحمّد الصدر وأمثاله وأن السيد محمّد الصدر سفيه وأنا أعلم من محمّد باقر الصدر. والمؤيد اخواله آل الصدر. فقال الأمام الصدر (رض) عجيب لقد دخل المؤيد إلى أيران بأسم آل الصدر. ثُمّ شرحت له كيف أن هناك من إستنكر؟ زعل؟ بسبب إشارته إلى السيد كاظم الحائري بالأعلمية من بعده، وعليه إنقلب حاله من التأييد إلى العداء، فقال (رض): أنا لا أنافق، وقد قرأت مؤلفاتهم فوجدت أن الحائري أعلمهم، فقلت: إن السيد الحائري كان خائفاً ولم يدعمك بكلمة واحدة فقال: نعم أنا أعلم أنّه جبان جبان. ثُمّ قال لي: أنني سوف لن اراك ثانية (يعني بعد ما أشوفك) وأوصاني وصايا خاصة بي وتوجيهات ووصايا تخصنا أنا والسيد محمّد جعفر الصدر ثُمّ قال: يجب عليك العودة إلى إيران في أسرع وقت، وتطالب جميع المسلمين بدعمي إعلامياً لأني الآن في خطورة من النظام، وأن تتصل بشبكات الإعلام الصوتية والمرئية الإسلامية ليوضحوا جانباً من صلاة الجمعة حتّى يستخير النظام ألف أستخارة قبل أن يأتي الي. وأخذ يملي عليَّ أحداث شعبان، وأمرني بنشرها في كافة أنحاء العالم، وقد ذكر الشيخ الزيدي نصّ البيان في هذا الكتاب وهو من لسان الأمام الصدر المقدس (رض) حرفياً (راجع فصل التدرج في الموجهة صفحة 129.) فأتجهت إلى الحدود في الرحلة الخامسة والأخيرة، ودخلت الأراضي الإيرانية في 23 شعبان 1419هـ وكنت في كافة رحلاتي أحمل بجعبتي أشرطة تسجيل وأفلام الفيديو وصور لصلاة الجمعة المقدسة في مسجد الكوفة الاعظم بأمامة الأمام الصدر المقدس (رض) ومؤلفاته ومنشورات صدرت من مكتبه (رض) وغيرها. وعند وصولي إلى قم قمت بنشر أحداث شعبان كما أوصاني شهيدنا المقدس من منزل الشيخ مرتضى الساعدي عن طريق الفاكس، وبعثت بها إلى كُلّ من لبنان والأُردن وسورياً والدنمارك والسويد وهولندا والنرويج وبريطانياً وفنلندا وأسترالياً والولايات المتحدة الأمريكية والكويت والإمارات، أذ في هذه البلدان توجد مكاتب وممثليات ومقلدي الأمام الصدر المقدس. وأوصيت بنشرها على الانترنيت والصحف والمجلات. وإخبار المجتمعات والمنظمات كافة بأن الأمام الصدر المقدس في خطر، ويحتاج إلى دعم إعلامي. وفي يوم الأحد الموافق 30 شعبان 1419هـ دخلت السجن في إيران وذلك قبل أستشهاد الأمام الصدر المقدس (رض) بأكثر من شهرين وبعد قضاء مدة سنة وأربعة أشهر تقريباً أطلق سراحي. وبدأت المهزلة الجديدة، إذ ما أن خرجت من السجن حتّى سكنت في منزل مقلدي الأمام الصدر المقدس في قم، والذي كان يرعاه السيد كاظم الحائري أذ كان يدفع الايجار والكهرباء والماء والحمد لله. فأستقبلني السيد محمّد جعفر الصدر (حفظه الله) استقبالاً حميماً، وقد كان السيد جعفر يرسل ألي بمبلغ شهري وأنا في السجن. وأخذني إلى خراسان لزيارة الأمام الرضا (ع)، فبقيناً مدة ثلاثة أيام وعدناً بعد ذلك. فأمر سماحة السيد الحائري (دام ظله) بطردي من البيت وحرَّم (دام ظله) عليَّ أخذ الدروس في البيت كذلك. وكانت مواقف الأخوة القادمين من النجف تميل نحو الإساءة اليَّ يوماً فيوم، فعلمت أن سماحة السيد الحائري وجهات أخرى قد حرضت عليَّ الجميع، ويتهمني السيد الحائري بأنني عميل للمخابرات العراقية. المهم أنني أضطررت لأيام إلى المنام في حرم السيدة فاطمة بنت الأمام الكاظم (ع)، وكنت أقضي أياماً لا أشبع من نوم أو طعام، وقضيت في إحدى المرات أسبوعاً كاملاً بدون أن أغتسل. وبعد ذلك علمت أن هناك مؤامرة ضدي أشترك فيها عدد ممن كنت أحسن الظن به، وآخرون غرر بهم غفر الله لنا، وقد كانوا يظنون أنهم بذلك سوف يسقطوني في قم فأهرب منها. ولكن ربك بالمرصاد، أذ وقف أخوتي الشرفاء معي حتّى هذه اللحظة وهم بطبيعة الحال من مقلدي شهيدنا المقدس والمستضعفين أينما حلّوا، وأنا حينما ذكرت هذه الأحداث الأخيرة لم أكن أبتغي أن أشتكي إلى أحد بل هي حقائق للتأريخ حتّى لا يعلو هؤلاء بأسم الأمام الصدر المقدس كما حدث مع السيد الشهيد (قُدس) إذ كما تاجر البعض ممن يحسب على السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) بأسمه ودمه، فهؤلاء يريدون أن يتاجروا بأسم شهيدنا المقدس حتّى أدعى الكثير منهم الوكالة عنه (رض) كذباً وزوراً، من أجل الاستجداء من المكاتب والحصول على الشهرة والمكانة الاجتماعية، وقد حصلوا إلى الآن على ما أرادوا ولكن ليقف هذا الكتاب ليبين زيفهم وكذبهم. وهذا الكتاب الذي بين ايدينا جامع لكثير من الحقائق الخافية، والغامضة على اذهان الآخرين وخصوصاً التي تعرض لها شهيدنا المقدس، وهي مظلومية ذات أبعاد عالمية واقليمية فأن فاتناً أن ندفع تلك الرصاصات التي توجهت إلى قلب سيدناً الشريف وجبهته الشريفه فبأمكاننا أن نرفع عنه اسنة الأقلام والألسن الحاقدة التي ما انفكت يوماً ما إلا وعرضت بشهيدنا المقدس. وتأييداً لقول ماجد العراق الشاعر العقابي الذي استطاع أن يكون صوتاً معبراً ومدوياً في عراق الجراح مندداً بقاتلي شهيدنا السعيد المقدس الإمام الصدر (رض)، ويزول العجب اطلاقاً إذ ما علمنا أن الشاعر صوت الأمة المنطلق من صميم كيانها ووجدانها حاملاً هموم شعبه على يديه. فكما قال العقابي. إذن ما مات اسد كوفان سبع الطف أبو مؤمل نعم يا ماجد. الإمام الصدر المقدس لم يمت فقد انجب ابطالاً، وهذا الشيخ الزيدي يطل علينا من نافذة جديدة ويضع العناوين بأماكنها الصحيحة والواضحة، ولا يخفى على أبناء عراق الإسلام أن سماحة الشيخ الزيدي قد كان اماماً للجمعة في أكثر من مدينة في عراق الإسلام إذ كان اماماً للجمعة في قضاء (قلعة سكر) في محافظة الناصرية وفي محافظة الكوت (المركز) وأمام الجمعة الدائم في قضاء (الحي) في محافظة الكوت، ووكيل الأمام الصدر المقدس (رض)، وكما عرفناه من قبل في (دفاع عن المرجعية وحوار حول المرجعية بقسميه الأول والثاني) هذه الكراسات أو النشرات قامت بدور كبير في نصرة الإمام الصدر (رض) واناً شخصياً كلّفت بأستنساخها وتكثيرهاً من قبل الإمام الصدر المقدس (رض)، ولمست مدى تأثيرها على ساحتنا الجريحة بل حتّى خارج العراق وكم سررت عندما اخبرني الشيخ الشهيد محمّد النعماني (رحمه الله) بأن الإمام الصدر المقدس قد اثنى على (حوار حول المرجعية) ببيت من الشعر يستحقه مؤلفنا الشجاع وهي شهادة شرف خطت بأنامل الإمام الصدر المقدس (رض) يفتخر بها المؤلف الجليل وهو هذا البيت: هكذا هكذا والا فلا لا ليس كُلّ الرجال تدعى رجالاً وما اروع الحقيقة عندما تؤرخ من قبل اديب وباحث تأريخي وقائد ميداني كالكتاب الذي بين يدي سيدي القارئ، ولا ابالغ حينما أقول أن نشرات المؤلف قد فجرت الطاقات في وقتها فقد فتح المجال للأدباء والكتاب والشعراء أن يعبروا عما في داخلهم ويكرسوا جهودهم في سبيل نصرة الإمام الصدر المقدس (رض) وخصوصاً أن شهيدنا المقدس (رض) كان يشيد ويقدر كُلّ ما يقدم له من ابحاث ونشرات من هذه الفئة في المجتمع تشجيعاً منه لتسخيرها لخدمة الحوزة الشريفة. وفي الوقت الحاضر ونحن نمرّ بأضطراب بسبب عدم تمييز العدو من الصديق والعميل من المخلص، فأن الشيخ جزاه الله خير جزاء المحسنين قد أفرغ ذمته وأراح ضميره وعمل بتكليفه الشرعي بأيضاح الحقيقة لمرجعية الإمام الصدر المقدس، واعتقد أن الكتاب سيُنتقد من قبل الذين سيضر بمصالحهم الدنيوية، وسوف يكيلون للمؤلف شبل الإمام الصدر المقدس التهم التي انسبوها من قبل إلى الأمام الصدر المقدس، واناً قلت من قبل لأحد منتسبي ما يسمى بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وهو رجل مؤمن وله موقف جيد تجاه الإمام الصدر المقدس وكان ثالثنا السيد محمّد جعفر الصدر، بأن الأتهامات التي يتهمون بها السيد الصدر بأنه عميل لصدام سيقولونها حتّى لو تمكن السيد الصدر من القيام بثورة وقيادة العراق بنظام إسلامي شريف فسيقولون بأنه عميل لأمريكا وإسرائيل، وهما اللتان نصبتاه على العراق، ولو بعد ذلك قام بتحرير العالم وحكم العالم بنظام إسلامي شريف، فسوف يقولون أنّه متعامل مع الشيطان بل يقولون هو الشيطان الأكبر وحاشاه. فأن الشخص كلماً وقف مع الحقّ ودافع عنه سوف يحصل العكس من الشياطين فيقفون ضده، ويكيلون له التهم ولكن هذه الورقة أصبحت خاسرة فلا تنجح مع أبناء شعبنا الأبي الواعي الذي أصبح يدرك ما يدور حوله من مسرحيات، ويدرك أن الهدف من محاربة القادة العظام المخلصين ومن يتعلق بهم والقضاء على حركاتهم هو النجف الأشرف، حوزة أمير المؤمنين (ع)، وان عودة النجف الأشرف مناراً للعلم تضر بمصالح دنيوية كثيرة ومخططات إسرائيلية مشترك بها كُلّ من يريد بالنجف الأشرف والعراق والعراقيين الدمار والذل، وا لهدف الرئيسي من ذلك هو وقف عجلة مسيرة انماء القاعدة الشعبية للإمام المهدي (عج)، والتعتيم الإعلامي الذي كان ولا زال على حركة وفكر الإمام الصدر المقدس بحيث لم تطبع مؤلفاته لحد الآن، ونرى بعض الصور الموجودة الآن خارج العراق ما هي إلا ترويج إلى من يريد أن ينسب الإمام الصدر المقدس وحركته إليه، وترويج احاديث للأمام الصدر المقدس تفي بالغرض الشخصي إذا صحت هذه الأحاديث والعبارات من كلمات منسوبة إليه (رض) وهي غير موثقة وعدم دعمه اعلامياً في حياته. فقد اوصاني كما ذكرت سالفاً بأن يدعم اعلامياً من جميع وسائل الإعلام، حيثُ لم نرَ إلا بياناً بسيطاً في صحيفة القبس الكويتية الذي نشره السيد محمّد باقر المهري أحد وكلاء الإمام الصدر المقدس في الكويت، بعد أن ارسلت له إحداث شعبان الأخيرة بالفاكس، أما باقي وسائل الإعلام فلم نجد منها تجاوباً، بل في بعض الأحيان عند ما نطلب من بعض من يدعي الإسلام أن يدعموا الإمام الصدر المقدس اعلامياً نجد الردّ غير متوقع وعكسي. وهكذا تعود فاجعة يوسف (ع) من جديد ولكن فاجعة يوسف عصرنا أكبر فيوسف (ع) رُمي في غياهب الجب من قبل أخوته لتلتقطه السيارة، ولم يقتلوه فقد كان في قلب بعضهم خوف من الله سبحانه وتعالى، أما يوسف عصرنا (رض) قتله أخوته وشربوا من دَمّه واكلوا من لحمه، ويحاولون أن يمحوا فكره، وان يجتثوا شجرته، وهم يعلمون جيداً بأن الأساس هو الإخلاص. والشجرة التي زرعها الإمام الصدر المقدس شجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء، وشجرتهم خبيثة لأنها زرع اليهود. فاعدوا العدة ضدّ شهيدنا المقدس في سقيفة ثانية، واتفق أهل الباطل على باطلهم، ونسأل الباري عزّ وجل أن لا نتفرق عن حقناً لكي تفشل مخططات الدولة البيزنطية الحديثة، وحوزتها المشئومة ضدّ أمير المؤمنين (ع)، ونجفه وكوفته وصدره المقدس الذي انجب ملايين الأشبال ونقف بوجه الظالم يداً واحدة، وبدون خذلان أو تراجع وضعف، لتستمر حركة شهيدنا المقدس الأ لهية وحوزته المحمدية الشريفة بأذن الله تعالى، ويبقى املنا بالله جلّ جلاله. واتذكر كلمات شهيدنا المقدس التي قا لها عندما سئل من للحوزة بعدك فقال: للحوزة ربّ يحميها، وليس بيدّ عبد المطلب، أو السيد محمّد الصدر حفظها وحمايتها.

 

وأسأل الباري عزّ وجل أن يحرك هذا الكتاب اقلام اشبال الصدر المقدس لتدوين تأريخ حركة شهيدنا المقدس، وايضاح ثمرة صلاة الجمعة المقدسة، وهذه المسؤولية تقع على عاتق جميع ائمة الجمعة ووكلاءه (رض) وتحليلها من قبل الشرفاء من ادبائنا بأصنافهم من كتاب وشعراء وباحثين. ونرفع ايدينا بالدعاء لمؤلف هذا الكتاب مختار القلم الشيخ عباس الزيدي المياحي ونسئل الباري عزّ وجل أن يدفع عنه كيد الكائدين وغدر الغادرين والله المستعان على ذلك:

اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمةٍ تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النّفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدّنيا والآخرة.

(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

24 جمادى الأولى 1421هـ

أبو سيف الوائلي

وكيل الأمام الصدر المقدس (رض)

 

 

استعراض لحياة ومرجعية الإمام الصدر والعلاقة بين الحوزة والجماهير

 

تأليف عباس الزيدي المياحي

 

 

 

المقدمة

 

(الحمد لله ربّ العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين)

اللهم صلّ وسلم. وبارك وترحم، على محمّد نبيك ورسولك الكريم وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قدّم أهل بيت العصمة، صلوات الله وسلامه عليهم، كُلّ ما يمتلكون من نفس ونفيس من أجل اعلاء كلمة الله وقد سارت ثلة من ذريتهم وشيعتهم على طريقهم. ولا تخلو صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي من بقعة من دمائهم الزكية وقد كانت هذه الدماء وما تزال المداد الصارخ في سطور هذه الصفحات. وهاهم آل الصدر يواكبون السير بخطى حثيثة على هذا الدرب وهذا البيت الكريم على قلّة عددهم أبواً إلا أن يكونوا الأضاحي والقادة لشعب العراق، الذي بدوره اختارهم وهتف بأسمائهم وسار بركبهم. وبعد مأساة السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) الذي ظلّ القمر الأوحد في سماء العراق حتّى جاء الأمام الصدر ليقطع مع شعبه مسافات خيالية ويتجاوز من الخطوط الحمراء ما عجز الأولون عن الاقتراب منها.

وأجزم أن الكلام حول شخصيّة الأمام الصدر (رض) ومحاولة الأحاطة بها. بصورة تامة دونه خرط القتاد فلا الشاهد والشهيد ولا مرجعيّة الميدان ولا هذا الكتاب بقادر على اعطاء أقل قسط من حقّ هذه الشخصيّة الجبارة.

ولكن الفوارق بين هذا الكتاب وما كتبه الآخرون كثيرة ومهمة لست بصدد سردها جميعاً ولكن أهمها أنني عاصرت وسمعت ورأيت الكثير منه (رض) عن قرب، والآخرون بعيدون وكذلك فأني وأخواني من أئمة الجمعة وطلبة النجف الذين قلّدوه كنا وما زلنا لا نرى أحداً غيره في عمقه وشجاعته وإيمانه وأبوته. وأنا حين كتبت ما سوف تقرأ لم انطلق من أهداف حركية سياسية وحزبية معيّنة وغير مهتم أو متأثر بأحدها بل انطلق من ولائي للأمام الصدر لا غير. أسال الله الثبات على هذا الولاء وحسن العاقبة به إن الله على ما يشاء قدير.

ولا اسرف في القول إذا قلت أنّه لم يحدث في العالم الإسلامي حدث أهم من حركة الأمام الصدر منذُ خلافة أمير المؤمنين (ع) لما اثبتت من استطاعة رجل بمفرده أن يقلب الموازين رأساً على عقب.

وإني ليزداد استغرابي كلماً مرّ الزمن إذ ما هو السبب وراء عدم الاهتمام بفكر الأمام الصدر أو بحركته من قبل المفكرين أو الدارسين الإسلاميين؟ وما بال الإعلام الإسلامي نسي أو تناسى معطيات هذه الحركة؟

فهل أن مؤلفات الصدر لا تحتوي على فكر جديد؟ أم أن المصالح الشخصية أو الحزبية لن تستفيد شيئاً من اظهار عظمة هذا العملاق الإسلامي وعلى أية حال فسؤالي هنا ليس للاستفهام بل للإعلام فتفكر!!

ودع عنك نهباً صيح في حجراته وهات حديثاً ما حديث الرواحل

وأخيراًً فأن كُلّ ما ذكرته في هذا الكتاب جاء نتيجة مشاهداتي وسماعي لكثير من هذه التصريحات من قبل الأمام الصدر (رض) وأولاده والشيخ محمّد النعماني (رحمه الله)، الذي أعتمدت عليه بصورة كبيرة نظراً لعلاقتي الشخصيّة معه.

وكذلك اعتمدت على معلومات الكثير من الأخوة الأجلّة من طلبة النجف وأئمة الجمعة ووكلاء الأمام الصدر (رض) ولا أجد كلمات مناسبه تفي هؤلاء الأخوة (الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه) حقهم من الشكر والثناء.

23/ ربيع الآخر / 1421هـ

عباس الزيدي

أمام جمعة مدينة الحيً ووكيل الأمام الصدر (رض)

 

كلمة لا بُدّ منها

 

 

رغم كُلّ سنوات الضياع وعدم الالتزام بالشريعة الإسلامية فقد كان العراقيون ومازالوا عاشقين لآل محمّد (ص) وبمجرّد أن يسمع الإنسان المنحرف اسم أمير المؤمنين (ع) فهو يزهو ويفتخر بأنه موالٍ له ويذكر من مناقب الأمام (ع) ما توارثه عن آبائه وأجداده. مع العلم أن أكثر الناس ذوباناً في آل محمّد (عليهم السلام) هم الناس الآمّيون وهذا ما نجده حيّاً في أقصى نقطة من ريف العراق سواء في الأهوار أو في الصحراء.

وكنا نعتبر الحوزة العلمية في النجف الأشرف الجنّة التي نتطهر بها بين فترة وأخرى ومجرّد رؤية رجل الدين فأن الشياطين تفرّ من قلوبنا يميناً وشمالاً ومجرّد سماح رجل الدين بتقبيل يده الشريفة فهذا يعني غاية الفخر في الدنيا والآخرة. وهكذا حافظت الحوزة على قدسيتها إلى سنة وفاة الخوئي وكان الأمر كالصاعقة على رؤوسنا ومع ذلك كنا نأمل المزيد فالحوزة ستبقى مهما خسرنا من إعلام وقادة. ولأول مرّة نسمع أن هناك في النجف رجل دين عميل يتسلّط على رؤوس المساكين من علماء الشيعة وهذا الرجل جبار وقاتل وصديق حميم لرأس النظام!!

وكان الفضل كُلّ الفضل في نشر هذه الحقائق "التي تبيّن أنّها أكاذيب" يعود إلى الحوزة والى ابن زعيم الحوزة. فبدأنا نلعن هذا الرجل العميل والبراءة منه لاننا رغم جهلنا كنّا نكره النظام.

وكذلك لن نسمح لرجل دين وإن كان عراقياً بأن يتعاون مع النظام ويدمر مرجعيّة الآيات العظام إذ لا توجد في قواعدنا قاعدة اسمها مرجع عراقيّ!! وهذا ما أصبح من البديهيات مع أننا كنا نؤمن كُلّ الإيمان بأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وهناك عامل آخر هو المهم أن الآيات العظام معصومون ولكن ليس بالعصمة الواجبة بل بالعصمة الثانوية!! ومن هذا الكثير.

وشاءت أرادة الحقّ أن نقترب من الحوزة أو أنّها اقتربت منّا وهذا ما فعله العميل!! فبدأنا معه صراعاً شديداً ولكنه سريع ومسابق للزمن بشكل لا يمكن لسنن التاريخ أن تتسابق معه.

فكان يصرّح وكنا نستنكر مرّة ونستفهم أخرى فمن هو هذا الذي قد قدم الينا من المجهول ليحاول تدنيس قدسيّة الآيات العظام.

كان يقول تأكدوا من قولي اسألوهم كذا وكذا وطالبوهم بكذا وكذا. وأحببناه رغم عدم تصديقنا بما قال بشكل كامل إذ بقيناً مترددين وبمرور الزمن بدأت خيوط الحقائق تقترب مرّة وتبتعد أخرى. فاذاً هي كالسراب ونحن نركض ونهلث لعلنا نجده ماءً أو وهماً وجاءت "سنوات المحنّه وأيام الحصار" في منتصف هذا الصراع لتعلن أن نصف ما قاله ذلك العميل حقّ محض. وعادت دماء محمّد باقر الصدر إلى الغليان من جديد فصدام هو الذي طعن الصدر وقتله ولكن من أعطى له السكين ومن افتى له بالطعن؟ هذا ما اجابته بوضوح "محنّه النعماني" فحصل الرجل على نقاط قوة وتأييد وأصبحت صفة العمالة منتفية. وأصبح محمّد الصدر هو السيد محمّد الصدر!! ماذا لديك أيّها السيد؟ وما هو الفرق بينك وبين قتلة أستاذك هل عندك شيء جديد أم هو السكوت والركون واكل الحقوق والكذب والاحتيال والخداع! ؟

نعم وجدنا عنده الجديد والكثير والعجيب وكُلّ العجب.

وجرَّد سيفه ومضى يصارع العالم اجمع والجبهات متعددة فاليهود من جهة والنصارى من جهة والمسلمون من جهة ولأول مرّة في تاريخ البشرية تجتمع كلمة الشيعة والسنة واليهود والنصارى والسيخ وا لهندوس والبوذيين والشيخية واليزيديين ووو. على عدو واحد بدأ صوته يرتفع بدون خشية والكُلّ ينادي أقتلوه اقتلوه. والسهام تتوالي عليه حتّى أصبح ظهره كظهر القنفذ.

وفي كُلّ يوم جديد تتجدد المعركة.

وبدأ العراقيون يسيئون الظن وهذه أول خطوة مع التردد هل الكُلّ على باطل؟ والسيد محمّد الصدر على حقّ.

هل عصى الله؟ كلاً. هل جاء بدين جديد؟ كلاً. هل امرنا بطاعة الشريعة؟ نعم. هل امرنا وعلمنا كيف نعرف ونحب الله؟ نعم. هل وجدناه في العمل كما سمعناه في القول؟ نعم. فلماذا يحاربونه باسم الإسلام هل يوجد إسلامان أو أكثر؟ والعراقيون يموجون ويتحيرون إلى أن تثبتوا وثتبوا فالتفوا حوله وأصبح السيد محمّد الصدر هو الأمام الصدر وكفروا بكل دين إلا دين الإمام الصدر. فاجمع العالم إجماعاً منقولاً ومحصلاً باهدار دَمّه وتمزيق اشلاءه وحرق كفنه وكسر سيفه وتشريد ايتامه.

وعاد معاوية بكل قوته يصرخ "سحقاً سحقاً.. دفناً دفناً" لا تبقوا لآهل هذا البيت باقية أفتوا بأن الجمعة فتنة والذي افتى بها من أصحاب الفتن أفتوا بأن كتبه كتب ضلال ولا تجوز قراءتها.

امنعوا صوره في المكتبات والشوارع..

كمموا الافواه التي تنادي عاش عاش. عاش الصدر فهذا الصوت قد اخترق الآذان فارتجت الادمغة.

ولكن هيهات هيهات سيبقى اسم الأمام الصدر اللعنة التي تطاردكم في دروسكم وفي بيوتكم وفي احلامكم وان يتامى العراق ونساءه وشيبته وشبابه وجباله وسهوله يلعنونكم ويبصقون في وجوهكم يا قتلة الصدر.

فلعن الله أمة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به.

والسلام عليك يا نائب الأمام سلام من أسود قلبه من الحقد إلى أن يأخذ ثارك مع أمام حقّ بأذن الله ورحمة الله وبركاته.

الحوزة وشيعة العراق

لا يمكن لأحد أن ينكر دور أهل العراق في الإسلام، ونشره والدفاع عنه على طول تاريخ الإسلام، وهنا لا بُدّ أن الفت النظر إلى مسألة أن أهل العراق يكادون أن يكونوا الأُمة الوحيدة التي دخلت الإسلام طوعاً وقامت سيوفهم بطرد الفرس من أرض العراق تحت راية الإسلام. ويمكن القول أن العراقيين هم قادة الحملات الإسلامية في الفترات الأولى للفتوحات الإسلامية وكذلك فأن الفكر الإسلامي الأصيل ظهر على أرض العراق سواء على الصعيد العقائدي أو الفلسفي أو العلوم الطبيعية أو الإنسانية عموماً، ويكفي في هذا المقام أن أقول أن ائمة أهل البيت (عليهم السلام) قد أتخذوا جميعهم أرض العراق كمنطلق وقاعدة لبث الإسلام ومذهب آل محمّد (عليهم السلام) وذلك لما لأهل العراق من امتياز بالذكاء والثبات على المعتقد الصحيح، ومعروف أن أهل العراق في الأعم الأغلب من الشيعة الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) ومع كُلّ ما تعرّضوا له من اضطهاد، وقتل وتشريد إلا أنّهم ثبتوا على ولائهم حتّى اعجزوا السلطات الحاكمة سواء في فترة الحكم الأموي أو العباسي أو العثماني إلى هذا الوقت مما اضطر السلطات إلى الوقوف بعجز تام أمام صمود أهل العراق، وفشلت كُلّ محاولات صرفهم عن المذهب الحقّ. ولا يمكن التغاضي عن دور أهل العراق في الثورات الإسلامية على طول الخط إذ لا تذكر ثورة إسلامية إلا وكان العراقيون قادتها أو أصحاب الدور الأهم فيها - وهذا مادعى إلى شنّ الحملات الإعلامية ضدهم حتّى لصقت بهم سمة أهل الشقاق والنفاق، وأهل الفتن وقد أجاد المعتزلي ابن أبي الحديد في الردّ على هذه التهمة قائلاً ما مؤداه:

"إن السبب في خروج أهل العراق المستمر وتذمرهم من السلطات أو الاتجاهات العقائدية المختلفة هو أن أهل العراق إذا ما طرح عليهم فكر جديد أو فلسفة معيّنة فانهم يسألون لماذا وكيف، ويناقشون، ولا يسلّمون بكل ما يسمعون أو يلقى عليهم وهذا ما يفتقده الأعم الأغلب من المسلمين وهذا هو الذي دعى إلى نشوب الثورات أو ما يسمّى بالفتن"

ويمكن أن نستشف من قول القائل أنّهم أهل شقاق. أي أنّهم يشقون عصاً الطاعة.

ولكن اليست هي عصاً الأنظمة الجائرة؟ وهل مرّت فترة على العراق لم يحكمه فيها غير الطغاة المستبدين إلا فترة الأمامين أمير المؤمنين والحسن (عليهم السلام) وهذا ادعى إلى تسمية أهل العراق بأنهم ثوار الأمة الإسلامية وإذا كانت وصمة قتل الأمام الحسين (ع) تلاحق أهل العراق إلى الآن فلنا أن نقول قبل كُلّ شيء اين هو المكان الذي كان بالإمكان أن ينصر الأمام الحسين غير العراق وكذلك نسأل مَن هم أنصار الأمام الحسين غير العراقيين كحبيب، وزهير، ونافع، وبرير، ومسلم بن عوسجة وباقي الأصحاب اليسوا من أهل العراق؟ أليس أن السجون الأموية كانت ممتلئة في ذلك الوقت بالالاف من الشيعة الذين أرادوا الوثوب مع الأمام (ع)؟ ومن هم الذين ثاروا للطلب بثأر الأمام سواء في حركة المختار أو التوابين؟ ومن هم أنصار زيد الشهيد؟ ومن هم أنصار ثورة محمّد وإبراهيم؟ غير أهل العراق هذا مع التخاذل المتواصل من قبل باقي المسلمين وإذا كان أهل العراق أهل نفاق فماذا يفعل الائمة الاثنا عشر في العراق وقد اتخذوه قاعدة ومدرسة سواء في الكوفة أو بغداد ولنا أن نقول أن أهل العراق ثبتوا على تشيعهم مع كُلّ انواع الظلم بينما نجد بعض الأُمم الأُخرى قد تبرأت من التشيع بمجرد أن شهر عليها السيف كما حدث في المغرب العربي، ومصر وغيرها من البلدان.

مع هذا وغيره نجد أن أهل العراق قد تفاعلوا بشكل كبير مع أهل البيت وأصبحت السمة المعروفة عنهم أنّهم أصحاب تشيّع أو رفض كما يحب متعصبوا العامة أو صنائع السلطات في كُلّ وقت أن يسمّوهم بذلك، وقد ورث علماء الشيعة مدارس آل محمّد (ص) في العراق سواء في الكوفة "النجف الأشرف" أو بغداد أو الحلة وكذلك كان العراق وما يزال المرجعيّة العليا للشيعة وان حدث ما أدّى إلى تحوّل المرجعيّة إلى قم فمما لا شكّ فيه أن أبرز مراجع التقليد، وعباقرة المذهب ما هم إلا تلامذة النجف الأشرف وقد تخرجوا من مدرسته وحوزته العملاقة، وإن اضطرتهم الأحداث إلى الانتقال إلى قم فهذا لا يعني انتسابهم إلى غير حوزة النجف مع الأخذ بنظر الاعتبار المكانة المرموقة لحوزة قم، وفوق كُلّ ذلك فأن الحوزات وان تعددت فأن الغاية واحدة والفخر يعود إلى المسلمين كافة مادمنا أصحاب عقيدة واحدة.

على أية حال فأن أهل العراق بقوا على تماس مع الحوزة، والمرجعيّة في النجف، ومن ينسى التفاف عشائر العراق حول المرجعيّة في ثورة العشرين بقيادة الحوزة، وفي انتفاضة شعبان المباركة، وحول المرجع الديني الأعلى الأمام الصدر (رض) وكذلك فأن بقاء الحوزة كان مرتهناً بالتفاف الجماهير حول المرجعيّة من خلال ممارسات، وشعائر إسلامية عديدة من أهمها أداء الحقوق الشرعيّة التي تعتبر عماد المذهب.

والآن يمكن طرح مدى تأثر وتأثير الحوزة في الشارع الإسلامي في العراق فالمتتبع يجد أن الحوزة والمرجعيّة مقدسة عند العراقيين ومع ذلك كان المجتمع يغط في جهل عميق فهل أن السبب يعود باللائمة على الجماهير أم لا؟ وقبل الخوض في هذه المسألة الحساسة علينا أن نأخد بالحسبان أن العصمة محصورة في الأمام فحسب وأما باقي الخلق فمعرّضون للسهو، والنسيان، والخطأ، وحب الدنيا وألخ من اوساخ هذه الدنيا الحقيرة. وان النقد الموضوعي ينال الجميع بدون استثناء سواء كان موجهاً إلى كاسب أو مهندس أو مجتهد.

على هذا الأساس نجد أن الحوزة مرت خلال التاريخ المعاصر بمشاكل وبتيارات عديدة فمع وجود التيار التقليدي الذي يفضل الجمود والاستكانة يوجد بين مدة وأخرى تيار ثوري يؤثر في مجرى الأحداث ويغير ولو بنسبة ما من شكل المجتمع فمثلاً عندما قامت حركة المشروطة التي طالبت بالدستور في إيران ايّدها عدد من العلماء، وعلى رأسهم الشيخ الآخند والسيد محمّد مهدي الصدر وعارضها آخرون كالسيد محمّد كاظم اليزدي وفي الاحتلال الإنكليزي للعراق ثار عدد من العلماء وفضل آخرون عدم التدخل وبعد ذلك في فترة الستينات التي شهدت تحركاً ثورياً ناهضاً للامة الإسلامية خصوصاً في النجف الأشرف إذ حدث انقلاب في توجه الحوزة في النجف الأشرف بسبب انتشار المدّ الالحادي وزاد كُلّ من الطرفين من حدّة توجهاته فبينما وجد شباب الحوزة وعلماءها الواعون في وجود السيد الشهيد باعثاً ومحرّكاً لنهضة إسلامية وولادة فكرة أقامة حكومة إسلامية، تطرف الجانب الآخر في توجهه بل أدّى الأمر إلى نشوب حالة عدائية بين الطرفين.

فبينما سعى السيد الشهيد ومن ناصره إلى توعية الجماهير الإسلامية وغض الطرف عن أي اساءة أو جمود في الرأي أخذ الاتجاه الآخر في التطرف ومحاربة الحركة الفكرية الجديدة وقد قاموا بأساليب عديدة لتحجيم دور الفكر الجديد ولكن بدون جدوى فما دام الشباب هم العنصر الذي يغير من معالم التاريخ ومادام هؤلاء الشباب ملتفين حول الحركة الإسلامية الناهضة لم تجد محاولات فرض العزلة من قبل الجهة التقليدية وإن كان يجب علينا للامانة التاريخية أن نذكر أن السلطات الحاكمة إلى هذا الوقت قد استعانت بصورة كبيرة بالفكر التقليدي أن صحّ تسميته فكراً وذلك للتأثر الذي يمكن أن يمارسه هذا التيار فعلى صعيد العشائر العراقية والتي كانت تمتلك الكثير من المؤهلات في ذلك الوقت مع أنها تسود فيها روح العشائرية، والأميّة، والجهل فقد التفت هذه العشائر حول المرجعيّة التقليدية وكانت تنتظر كلمة واحدة من المرجعية لتقلب النظام ولكن النتيجة كانت سالبة دائماً فقد حاول السيد الخميني (قُدس) أن يثير هذا الأمر عند المرجعيّة وعرض خدمته للحوزة وانه جندي من جنود المرجعيّة وان العشائر العراقية تنتظر كلمة واحدة منها: إلا أن الجواب كالمعتاد هو الرفض لاي تحرك وهذا ما حدث في مرجعيّة السيد الحكيم فمع كُلّ ما يمتلك الحكيم من شعبية وحب من قبل المجتمع العراقيّ إلا أنّه فضّل سلوك المسلك التقليدي ونسمعه يصف العراقيين بأنهم أصحاب شهوات وانهم سوف يخذلوننا وغريب جداً أن يصدر هذا الكلام من السيد الحكيم فقد كان ميدانياً وعملياً يعرف هذه العشائر وقد قاتلت في ثورة العشرين بمرأى وبمسمع منه وإنما سمي السيد الحكيم مجاهداً بفضل هذه العشائر ليس إلا!! ولهذا السبب تعرضت الحركة الإسلامية في العراق لضربة مؤلمة.

ومن جهة أخرى فأن الشباب الناهض بقيادة السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) لم يكن يستطيع الحركة على صعيد المرجعيّة إذ أن تصدي الشهيد في ذلك الوقت معناه شنّ الحرب عليه من قبل الحوزة التقليدية وكما يعلم الجميع فانه اضطر إلى كتابة رسالته العملية بخط يده ونشرها بين أصحابه فقط، إلى سنة 1970م أي عندما توفي الحكيم ولكن استطاع الشهيد أن ينزل إلى المجتمع المثقف فحسب من خلال الفكر الحديث ومواجهة التيارات الملحدة والمادية التي كانت سائدة في ذلك الوقت وكتابة مؤلفات تعتبر بمثابة طفرة في الفكر الإسلامي فلم يكن معروفاً في الحوزة أن تدخل في خضم الدراسة والفكر الاكاديميين أو مناقشة النظريات الحديثة إلا بنطاق ضيق، وقد لاقت مؤلفات الشهيد اقبالاً كبيراً من قبل شباب الأُمة الواعين في الوقت الذي اكتفت فيه الحوزة بالإفتاء فقط. فمثلاً إكتفت الحوزة التقليدية لمواجهة الشيوعية بالفتوى المشهورة بأن الشيوعية كفر وإلحاد، والحقّ أن الشيوعية كانت مستحكمة في العراق وتلاقي اقبالاً جماهيرياً بسبب الضغط الاستعماري والاقطاعي فلم تجد ما يواجه هذا الظلم غير الفكر الشيوعي مع العلم أن الغالبية العظمى ممن انتسب إلى الشيوعية من جهال الناس ولا يفهمون شيئاً عن الشيوعية إلا أنها تساوي بين الأفراد وانه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالإنتاج والمضحك المبكي أن أكثر الشيوعيين في العراق كان يصلّي الفرض ثُمّ يذهب للاجتماع مع باقي الماركسيين وإما الماركسيون في العراق فلا يفهمون شيئاً عن الإسلام إلا ما كان يوصله بعض الملالي من المحتالين الذين لا يستطيعون أن يوصلوا فكرة ما بصورة مستقيمة وهمهم الأوحد هو البكاء، وجمع الاموال لذلك نجد المثقف الماركسي يتفاجأ حينما يجد نظرية إسلامية متكاملة تجاه الكون ولكن عندما طرح السيد الشهيد فلسفتنا، واقتصادنا أثار عاصفة في المجتمع الإسلامي عموماً والعراقيّ خصوصاً ومع كُلّ هذه الخدمات الجليلة للسيد الشهيد إلا أن المسلك التقليدي للحوزة كان يسمي هذه المؤلفات كلام جرائد مع العلم أن أكبر عبقري من هؤلاء لا يستطيع أن يؤلف بهذا المستوى فضلاً عما هو أفضل أما الاستهزاء بشخصيته فحدث ولا حرج إذ أنّه بات يشكل خطراً على المرجعية من حيثُ الخوف من التوجه الجماهيري إلى تقليده والنفس الإنسانية مجبولة على حبّ الذات مالم تتجه لله باخلاص فمثلاً صار التهديد لمن يحضر بحث السيد الشهيد موجوداً في أية لحظه بقطع الراتب الشهري الذي كان لا يسمن ولا يغني من جوع والتهديد بتشويه السمعة حاضر في أي وقت وعليه يتهدد المستقبل الحوزوي لمن ينضوي تحت لواء الشهيد الصدر وبعد وفاة السيد الحكيم تصدى السيد الشهيد بطبع رسالته العملية على شكل تعليقة على منهاج الصالحين فقامت الدنيا ولم تقعد حتّى تمّ تهديده ويكفي مراجعة كتاب الشيخ النعماني لمعرفة مدى الضغط والنهج الذي واجهة الشهيد نتيجة طبعه لرسالته العملية مما اضطره إلى الاعتراف بأن مرجعيته هي في طول "مرجعية الخوئي" مع أن علمية السيد الشهيد قد بلغت حداً ورقياً لا يملك الإنسان أمامها إلا أن ينحني معترفاً بأعلميته وأحقيته بمرجعية المسلمين، ولكن الأمر بقى محصوراً داخل الحوزة، ولم يكن الشارع يعلم ما يدور في الحوزة إلا ما خرج بشكل منمق مع اعطاء اعذار واهية وبقى الشارع العراقيّ يعيش بمثالية لا وجود لها إلا في مخيلته البريئة إذ أن العلماء كلهم مقدسون ومعصومون وان روح الاخاء موجودة عند جميع العلماء وهذا لا أساس له إذ أن الطريق الذي يمشي فيه أحدهم لا يمشي فيه الآخر إلا ما كان من السيد الشهيد إذ أنّه كان يحاول أن يصلح ما افسده الآخرون.

ولكن هذه النتيجة جاءت على حسابه، وعلى حساب الشعب العراقيّ المظلوم، ولا يمكن أن ننسى أن أحد أولاد المراجع وقف أمام مدير الأمن العام فاضل البراك في ذلك الوقت وأشار إليه بضرورة التخلص من محمّد باقر الصدر (وهو أحد أولاد الخوئي).

كما ذكر النعماني في كتابه مع أنّه تحاشى ذكر الاسماء وكانه يتحدث عن بيت العصمة خشية من وقوع الفتنة والنتيجة إبقاء الأُمة في غياهب الجهل واعطاء القداسة والعظمة للهيكل المنخور الذي مازال يسيطر على مقدرات الشيعة في كافة أنحاء العالم وبناء القصور من عرق الفقراء الذين يقدمون الحقوق وا لهدايا لإمبراطورية النجف ظناً منهم أنّهم يقدّمونها إلى وصي من الأوصياء.

أن طبيعة المجتمع العراقيّ تقديس رجل الدين كائناً من يكون ولم تكشف الاوراق إلا في عهد المرجع المظلوم السيد الإمام الصدر كما سوف يتضح في مستقبل البحث.

أن هذه الهالة ادت إلى تأخر المجتمع العراقيّ سواء على مستوى الفهم السياسي أو الديني فلو تفحصنا المدة التي تزعم الخوئي فيها المرجعية لوجدنا أن الشارع كان فارغاً تماماً من أي محتوى إسلامي فالتقية هي الدرع التي كان يتصحن به دعاتها. وإن الحجة التي يتذرعون بها هي الحفاظ على دماء الشيعة مع أن هذه الدماء في كُلّ الأحوال لم تكن مصانة ابداً فهي تسفك على طول الخط سواء تمَّت مواجهة الظلم أو لا.

والملفت للنظر أن الحكم كان بالإمكان أن يكون بيدّ الحوزة خصوصاً في عهد الحكيم حينما كانت الحكومة ضعيفة جداً في الستينات ويكفي أي مجموعة أن تقوم بانقلاب وتسيطر على الحكم فكيف بالحكيم الذي كان بإمكانه أن يقود العالم الإسلامي بأسره في ذلك الوقت وعندما كانت عشائر العراق تنتظر كلمة واحدة منه! إلا أنها النظرة الضيقة والمحدودة داخل قوقعة التعالي واحتقار الأُمة حتّى تمكن البعثيون من السيطرة على الحكم ومحاصرة الحوزة والقضاء على شبابها ومفكريها الواحد تلو الآخر والحوزة تتفرج.

وكُلّ ذلك بعد أن خدعوا الحوزة واية خدعة والملاحظ أن الحوزة لم تكن تعتني بمشاكل الأُمة بصورة عملية واحياناً تندد مكتفية بالتنديد واحياناً أخرى تصمت وهذا هو الغالب وهذا ما حدث عند اعتقال السيد الشهيد أكثر من مرّة حتّى تمّ اعدامه مع أخته والحوزة تغرق في صمت رهيب والشعب يقدم عشرات الالاف من الضحايا. كُلّ هذا (وهم صامتون كصمت القبور) كما قال الإمام الصدر. أن فترة المرجعية للسيد الشهيد تمثل مأساة، ومظلومية الشعب العراقيّ فقد دخل الشعب العراقيّ الحرب ضدّ الشعب الإيراني، وغالبية الشعب لا يفقه شيئاً ولا يعي ما يفعل إذ أن الحوزة لم تكرس مجهوداً عملياً لازاحة الجهل عن كاهل الأُمة، وقد يقول البعض أنّه في عهد الحكيم تمّ إنشاء مكتبات عديدة في كُلّ أنحاء العراق.

أقول هذا صحيح ولكن هذا لا يكفي إذ ما فائدة المكتبات إذا لم يكن هناك صوت يوجه، ويواجه. إن الأُمة ليست بحاجة إلى كتاب بقدر ما تحتاج إلى توجيه ورمز وان عامل الخوف كان مسيطراً على الجماهير إلى أن جاء الإمام الصدر فازاله إلى يوم القيامة.

وأطرح هنا سؤالاً ماذا تفعل الجماهير إذا كان المرجع يقول إني اخاف ومن اين تستمد الجماهير الشجاعة إذا كان القائد جباناً. وهذا يلقي بظلاله على محاولة المقارنة بين قم والنجف.. فما هو الفرق بين الشعب العراقيّ والشعب الإيراني؟ أن العراقيين كانوا دائماً أصحاب المبادرة في الحركات الثورية، والإسلامية ونجد أن الحركة الإسلامية حتّى في إيران كان لحوزة النجف الدور الريادي والقيادي والمؤثر فيها، فمثلاً في عهد السيد المجدد الشيرازي حدثت أزمة التنباك عندما أصدر المجدد فتواه المشهورة بتحريم التدخين مجبراً الشركات الإنكليزية على الانسحاب، وبعد ذلك حركة المشروطة التي كان لعلماء النجف دور مهم فيها وحتى الثورة الإسلامية في إيران تمت بمساندة كبيرة من قبل السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) والشعب العراقيّ ككل إلى أن انتصرت الثورة، فما هو الذي جعل إيران تنتصر والعراق يفشل ويضمحل دوره الإسلامي؟

 

 

نشوء العبقرية

 

ولد السيد محمّد الصدر بدعاء والديه عند بيت الله الحرام وذلك سنة 1361 للهجرة الموافق 1943 ميلادية وكان ينشأ بصورة غير معتادة كما هو الحال عند أستاذه السيد الشهيد وأدخله والده الحجة السيد محمّد صادق الصدر (قُدس) إلى مدارس منتدى النشر الابتدائية فالمتوسطة فالاعدادية وبعد ذلك دخل إلى كلية الفقه إلى أن تخرج حوالي سنة 1962 - 1963م وقد رجع في التقليد حسب وصيّة والده إلى الشيخ علم الهدى مرتضى آل ياسين (قُدس) الذي هو عم والدة السيد الشهيد حيثُ أن والدته كريمة الشيخ محمّد رضاً آل ياسين (قُدس) ولكن شهيدنا يقول أنّه بعد ذلك وعندما حضر بحث الخوئي وجد الفرق شاسعاً بينهما فرجع إلى الخوئي في تلك الفترة ولكن عدل بعد ذلك إلى السيد الشهيد وحسب الظاهر أن شهيدنا إنَّما يشير إلى مدى علمية كُلّ من هؤلاء وترجيحه لا حدّ على الآخر إذ يبدو أنّه كان مطمئناً باجتهاده منذُ فترة بعيدة حتّى أنّه قال أن زوجته رجعت إليه في التقليد بعد الزواج مباشرة وزواجه كان سنة 1962 - 1963 وعليه فهو حاصل على مرتبة الاجتهاد في فترة مبكرة ولكنه آثر السكوت على هذا الأمر لأسباب عديدة منها أنّه لم يكن يفكر في يوم أن يكون مرجعاً للتقليد حسب قوله (رض). كذلك فهو قد يرى في الأمر تنازعاً دنيوياً فعليه كتم هذا الأمر ولم يعتنِ بنشره، والدليل على ذلك أنّه إلى حدّ سنة 1970 كان قد صدر الجزء الأول من موسوعته القيّمة حول الأمام المهدي (ع) والموسوعة فيها من سعة الأفق وطول النفس وقوة الاستدلال ما قد تكون قرينة على اجتهاد صاحبها (وقد تأكد اجتهاد الأمام الصدر قبل دخوله بحث السيد الشهيد وقد ذكرت عائلته أنّه ناقش أستاذه في أول يوم لحضوره بحثه).

وقد كتب خلال هذه الفترة ما قبل سِنّ العشرين اشعة على أُصول الدين، ونظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان، وفي هذا الأخير مناقشة لكبار فلاسفة الغرب في العصور الوسطى وما بعدها مثل جان جاك روسو وتوماس هوبز وجون لوك وبعد ذلك يقول أنّه وقع في يده كتاب للسيد صدر الدين الصدر (قُدس) حول الأمام المهدي (ع) فأراد أن يخرّج رواياته وشرح بعض مطالبه وإدراج بعض الاجوبة على بعض الأسئلة التي يمكن أن تطرح، فرأى أن الأمر يحتاج إلى وقت وجهد كبير فترك كتاب عمه واتجه لتأليف الموسوعة وقد صدر منها أربعة أجزاء، والجزء الخامس والسادس مازالا مخطوطين إلى ما بعد الاستشهاد وخلال هذه الفترة أيضاً كان شهيدنا لا يتدخل في أية مسألة صغيرة أو كبيرة بل يقول أنّه كان يرى ويسمع ويطبق بينه وبين الله وكان يشاهد معاناة أستاذه السيد الشهيد ويدرس ما يحدث ليشاء الله أن تخرج النتائج بعد ثلاثة عقود حيثُ تصديه المبارك للمرجعيّة وعندما صدر كتاب فلسفتنا للسيد الشهيد ردّ عليه عدد من كبار الماركسية فعزم على ردّ الإشكالات فتناو لها في الجزء الرابع من الموسوعة "اليوم الموعود" وأتم كتاب فلسفتنا بادلة ومناقشات يجدر بنا أن نطالعها فلطالما تحدث الكثير عن عدم إمكانية شهيدنا وهم لم يقرأوا له صفحة واحدة والحمد لله ربّ العالمين (وتجدر الأشارة إلى أن الكثير من الذين قرأوا فلسفتنا "واليوم الموعود" قيموا مستوى "اليوم الموعود" بأنه مرحلة أعلى من فلسفتنا وأستدلا لها أقوى بكثير).

وفي اواسط السبعينات أي حوالي سنة 1977م طلب عدد من الفضلاء منه القاء البحث الخارج فعرض الأمر على أستاذه السيد الشهيد فبارك هذا الأمر فشرع ببحثه على كتاب المختصر للمحقق الحلي ولمدة أشهر بعد ذلك توقف بسبب الأُوضاع السياسية والاعتقالات.

ويوجد عدد من طلبته في ذلك البحث مازالوا على قيد الحياة حال كتابة هذا الكتاب: ويقول شهيدنا أنّه طُلب منه هذا البحث على الرغم من وجود عدد محترم من طلبة السيد الشهيد. إلا أنّهم اختاروه دون سواه.

وهنا أسأل: هل أن هؤلاء الطلبة اختاروه اعتباطاً أم أنّهم يعلمون إمكانيته؟.

والسوال الثاني: هل أن السيد الشهيد كان يجامل وهو المعروف بدقته العلمية؟ وعلى هذا فهو يضل الطلبة بأختيار أستاذ غير كفؤ.

أقول: حاشاً السيد الشهيد محمّد باقر الصدر عن المجاملة في العلم ولو كان هناك من هو أهل للبحث لما تركه الطلبة إلى سواه (أجتمع في ذلك الوقت عدد من طلبة السيد محمّد باقر الصدر فتناقشوا فيماً بينهم، حول الأعلم هل هو السيد محمود الهاشمي أو السيد محمّد الصدر فكان الجميع يقولون بأن الأمام الصدر أعلم من الهاشمي إلا واحداً منهم" نقلاً عن عبد الجبار الرفاعي).

وكان شهيدنا يمثل أستاذه في مناسبات عديدة سواء في النجف أو المحافظات إذ كان يلقي كلمة نيابة عنه أو غير ذلك.

وكان (رض) قد أُعتقل عدة مرات مابين 1974 - 1991 وكانت مدة اعتقالاته حوالي شهرين لا أكثر ومن جملة هذه الاعتقالات ما تحدث به أحد طلبة السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) قال كنت مع السيد محمّد الصدر في مكان فسألته عن مسألة فما كاد يجيبني عليها حتّى داهمنا رجال الأمن وألقوا القبض علينا وأخذونا إلى مديرية الأمن فوضعوني في وعاء كبير أظنه معداً "للمزبلة" ووضعوا السيد محمّد الصدر في آخر وهو مواجه لي وبعد برهة قليلة توجه إليّ السيد محمّد الصدر وقال: يا سيد فلان جواب مسألتك هو كذا وكذا.

قال: فانفجرت ضاحكاً فتبسم السيد محمّد الصدر قائلاً: ها تستدعي الضحك؟ نعم تستدعي الضحك.

ومع ذلك فأن شهيدنا كان عازلاً نفسه اجتماعياً إلا بشكل بسيط لا يخلو من الرسمية وهذا كان أحد أهم أسباب تنامي شخصيته ليس من الناحية العلمية فقط بل من الناحية المعنوية والروحية حيثُ أنّه اعتكف على الدرس والعبادة إلى درجة يروى أن السيد محمّد صادق الصدر (قُدس) اشتكى ذلك إلى أستاذه السيد الشهيد.

وقد تعرف خلال هذه الفترة بالحاج عبد الزهرة الكرعاوي، ولكن قبلها كان شهيدنا هو الذي قام بتبليغ الطلبة حرمة الانتماء إلى حزب الدعوة بأمر من السيد الشهيد محمّد باقر الصدر واتجه الاتجاه العرفاني وشهيدنا لم يكن مؤمناً بالخط والمنهج الذي اتخذه أستاذه في أنشاء الحزب ومنهجه بصورة عامة كما سوف يتضح.

لذلك نجد أن رفاق الشهيد وغيرهم استغربوا من تصديه للمرجعيّة ليس لشك فيه بل لان محمّد الصدر الذي يعرفونه، في الحقيقة لا يعرفونه، نعم هو عالم ولكن ليس قائداً، هذا معتقدهم إلى حين الاستشهاد والبعض الآخر نظر بمنظار آخر سوف أتناوله بفصل مستقل.

تزوج شهيدنا ابنة عمه السيد محمّد جعفر الصدر ما بين سنة 1962 - 1963م وولد السيد مصطفى أكبر أولاده سنة 1964م في أواخر هذه السنة لذلك أرّخوه في الهوية سنة.

ما بعد الصدر (قُدس) بعد استشهاد السيد محمّد باقر الصدر (قُدس) فرض على شهيدنا ما يشابه الأقامة الجبرية من جهتين:

الأولى من جهة النظام ولو أنّهم لم يقولوا ذلك بصراحة إلا أن مراقبة البيت مستمرة. وكان بالقرب من بيته محل وقد جعل منه ازلام النظام وكراً للمراقبة ليلاً ونهاراً فكان من النادر أن يصل إليهم أحد وكان شهيدنا إذا خرج من منزله لا يسلّم عليه أحد خوفاً من النظام لذلك بقي في منزله حوالي عشر سنوات لا يخرج إلا للتسوق أو استلام الراتب من مكتب الخوئي وكان الراتب لا يسدّ رمق العائلة لمدة وجيزة لذلك مرّت بهذه العائلة الكريمة أيام عسيرة ومع ذلك فأن الأمام الصدر لم يرضخ للحوزة ولم يرضخ للنظام كما فعل غيره ولا بكلمة واحدة، وقد اعلن في هذه الفترة تصديه للمرجعية لعدد من الناس، وهم الخواص لذلك كان السيد مهدي الصدر (رحمه الله) أول وكيل للأمام الصدر (رض) وذلك سنة 1981م، وقد راجعه عدد من الفضلاء سنة 1982 وقلّدوه وكان السبب في ذلك أن هؤلاء الفضلاء رأوا تصرفات مخالفة للشريعة وتخل بالعدالة في مكتب زعيم الحوزة لذلك التجاءوا إلى الإمام الصدر وأعلنوا تقليدهم له ولكن كان تقليداً بدائياً إذا لم تكن توجد رسالة عملية لذلك قام بكتابة تعلقية على منهاج الصالحين وقد كتبها بيده السيد حسين الكظماوي (الصدر) في تلك الفترة أيام كان السيد حسين الكظماوي الصدر من المتحمسين للإمام الصدر (رض).

ومع ذلك فأن الحقوق الشرعية لم تكن على مستوى بحيث يتاح له التوسع وكان السيد حسين الصدر في تلك الفترة العصيبة وكيلاً عن السيد محمّد الصدر ويؤكّد على ضرورة الخروج للصلاة وكان يجلّه لدرجة أنّه حاول مراراً تقبيل يدّ شهيدنا، ولكن الافتراق حصل بسبب الخلاف بينهما حول طريقة التصدي للمرجعيّة فحسين الصدر كان يقترح على شهيدنا الابتداء التقليدي لطرح مرجعيته وهو القاء البحث الخارج وجمع دعاة وبعد ذلك يطرح نفسه مرجعاً للتقليد بينما كان شهيدنا يرى خلاف ذلك، وانسحب حسين الصدر بعد ذلك من دعوته للأمام الصدر فكان مثلاً يوصل مبلغاً كبيراً من الحقوق الشرعية للسيد السبزواري ومبلغاً أقل منه للسيستاني ومبلغاً أقل من الاثنين للأمام الصدر وبعد أن واجهة شهيدنا بمسألة الاجتهاد "وكان حسين الصدر وما يزال يدّعي الاجتهاد" حصلت المقاطعة ذلك أن السيد الشهيد عنفه يوماً أمام الملأ حول مدّعاه وأخيراًً صرّح بأن حسين الصدر لا يصلح لتدريس اللمعة بصورة متكاملة.

نعود إلى تلك الأيام العصيبة كان شهيدنا يضطر أحياناً للمسير على قدميه من البيت إلى الحضرة المطهرة وخلال هذه المدة كتب رسالته المختصرة الصراط القويم واعطاها للشيخ شريف آل كاشف الغطاء وذلك ليتوسط عند معارفه للموافقة على طبعها فعاد الشيخ شريف بعد مدة وقال: رفضوا طبعها بحجة أن فيها تشريع زواج المتعة، والثانية الشهادة الثالثة في "الاذان والأقامة" بالولاية لأمير المؤمنين (ع)

المهم أن شهيدنا كان يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه لهداية الأُمة واخراجها من الظلام الذي كانت تعيش فيه ولما يراه من انحراف المؤسسة الحوزوية أذ كان أول المتضررين بسببها وكان يمكنه بسهولة تامة التعايش معهم وتكون حالته المادية والاعلامية جديدة، ولكن ذلك يحدث على حساب الإسلام، فقرر المثابرة والمواجهة معهم حتّى آخر نفس ولم يختبئ في بيته كما يحاول البعض أن يصوّر حاله بل كان يداوم الحضور في مجالسهم ولكنه يناقش قدر الإمكان ويرد ما يستطيع رده من مظالم، ويروي شهيدنا حادثة خطيرة في بابها يقول (رض):

دخلت يوماً على الخوئي وكان عنده كبار طلبته كالسيستاني، والشيخ الفياض والشيخ البروجردي والسيد عزّ الدين آل بحر العلوم والشيخ الغروي والخلخالي وغيرهم فلماً رآني الخوئي قال:

بجانبي سيد محمّد، فجلست بجانبه وبعد سؤال عن الصحة والأحوال جاء أحد الأشخاص ومعه قضية طلاق فقال الخوئي: نعم نجري الصيغة فرفع رأسه ونظر حوله ثُمّ أطرق برأسه. عندها علمت أنّه سوف تقع مشكلة على رأسي فقلت:

بأذنك، وقمت فقال: اجلس سيد محمّد. ثُمّ اجرى صيغة الطلاق وقال تفضل سيد محمّد عندها قمت وخرجت وفي أثناء الخروج نظرت إلى الجالسين من طلبة الخوئي فاذاً هم ينظرون إليّ بحقد واحتقار.

ودلالة ذلك دلالة مهمة وخطيرة فهذه الرواية تصرّح أن الخوئي لم ير في الجالسين واحداً منهم يصلح أن يكون شاهداً على طلاق بأستثناء شهيدنا.

وهذا اعتراف ضمني لشهيدنا من قبل أكبر عالم وأُقدّمهم في النجف الأشرف "في نظر الحوزة التقليدية" وقائد المسلك التقليدي.

وكذلك يقول: ذهبت يوماً إلى الخوئي وذلك بعد أن أخذ السيستاني بالصلاة في مسجد الخضراء فجئت لادخل عليه فحاول محمّد تقي الخوئي منعي فأصررت على الدخول عندها سلمت على الخوئي وجلست قلت بصوت يسمعه محمّد تقي الخوئي: هل ترى أن السيد السيستاني هو الأعلم من بعدك؟ فقال بانفعال: أعلم؟ لا فقلت: هل أمرت السيستاني بالصلاة في مسجد الخضراء ليكون خلفكم هناك فقال بأنفعال أشد: أنا لا. فقمت لأخرج وإذا بمحمّد تقي ينظر اليّ نظرة حقد واحتقار.

لذلك فأن المؤسسة الحاكمة في النجف أخذت بالاستعداد لمحمّد الصدر. ويروي أحد الأساتذة الافغان أن أحدهم دفع مبلغ خمسة عشر مليون دينار في ذلك الوقت لقتل السيد محمّد الصدر فأنجاه الله ولم يتم الأمر (والذي أراد قتله هو محمّد تقي الخوئي لذلك كان الأمام الصدر يقول: أراد أن يقتلني فقتله الله، أحترق والحمد لله. رواية مشهورة في النجف.).

وقد كان من ضمن الأشخاص الفضلاء، الذين وقفواً مع شهيدنا أيام المحنّه الشيخ محمّد اليعقوبي إذ التقى مع شهيدنا حوالي سنة 1985 وتطورت العلاقة بينهما. وكان السيد محمّد كلانتر من المساندين والمؤيّدين لشهيدنا وكان يحثه على التصدي بأستمرار، ولكن بالطريقة التقليدية وقد طلب منه أن يكتب تعليقة على "وسيلة النجاة" فرفض (رض) وكان يرمي إلى ما هو خارج نطاق المعهود ويرفض تقليد الآخرين وكان يؤكد على عربيته ولكن داخل إطار الإسلام هذه العربية التي سحقت تحت الاقدام حتّى صارت ذيلاً تابعاً أبداً لذلك فهو عند حضوره لبعض الدروس في اللغة الفارسية كان يصرّ على التقرير بالعربية فلماذا لا يكون الدرس بالعربية! وهي لغة القرآن ولغة الفقه ولغة آل محمّد (ص) المهم أن اللغة العربية هي المحور ومن تعلّمها كفته عما سواها ولم يكن شهيدنا متمسكاً بعروبته للا شيء بل هو ابن القرآن والإسلام ولكن رأى بأم عينيه الأساليب المعهوده لسحق العرب وامتهانهم وقد جاءه أحدهم فكلّمه بالفارسية وهو لا يعرفه فقال له شهيدنا: ألست عربياً؟

قال: نعم.

قال: فلماذا تتكلّم بالفارسية إذن. فصمت الآخر.

كان يؤكد على رفع عقدة الحقارة في النفس فلماذا يكون الآخرون أفضل منّا؟ ولماذا لهم الامتيازات التي يرتفعون بها ليسحقونا؟ أن الاهلية بالعلم ولكن بشرط التقوى وعدم وجود طبقة أفضل من أخرى بأصل الخلقة أن صحّ التعبير ولكن الواقع كما كان يراه" (رض) إذ دخلت إلى الإسلام الكثير من "الحمقات" والخرافات التي ما انزل الله بها من سلطان كتقبيل اليدّ والمخاطبة بصيغة الجمع والتكبر على العوام والاحتفال بالنوروز، والحوزة كانت تعلم قبل غيرها أن هذه أُمور دخيلة وقد صرّح بذلك الشيخ المظفر (قُدس) في الجزء الثاني من أُصول الفقه في بحث السيرة ناسباً الكلام إلى الشيخ الانصاري ولكن العلم بشيء في جهة والتطبيق بالجهة المخالفة ولم تعرف الحوزة مرجعاً قبل شهيدنا طبّق الأحكام والأخلاق الشرعية كما هي مطلوبة من قبل الشارع المقدس. فالزهد مجرّد اقاويل وكلمات مسطورة في الكتب وواقع الحال بعيد غاية البعد عن ذلك فرجال الدين يعيشون حالة الرفاهية والغنى وكُلّ ذلك من أموال الشيعة والفقراء ويوجد والحمد لله من المستحقين لتلك الأموال ما لا يحصون ففي الوقت الذي تمتلك فيه جلّ الاسر العلمية من الاموال والاملاك والمزارع الشي الكثير نجد أن باقي الناس يعيشون أسوأ الأحوال مع ذلك فهم يكدحون ويأتون بالاموال لارضاء الحوزة ولا ينالون سوى التحقير من قبل الحواشي وهذا طبعاً لا يبرئ ساحة المتصدين إذ أن هؤلاء الحواشي موظفون ومنصّبون من قبلهم وعدم متابعة حالهم وتصرفاتهم يجعلهم مسؤولين أمام الله عن كُلّ مظلمة تقع بسبب هؤلاء.

كان الأمام الصدر يعقد مجلساً للتعزية في بيته في الحنانة وذلك في فترة مابين الحربين وكان يحضره عدد من الفضلاء الذين يشهدون له بالفضل والعلم والتقوى، ولكنهم انفضوا بعد ذلك لما رأوا أن الأمام الصدر دخل في حرب مع الحوزة خشية على مصالحهم وكانت أكبر مشكلات محمّد الصدر أنّه يعامل الناس على مستوى واحد ولا فضل لعربي على اعجمي إلا بالتقوى لذلك فأن فضلاء الحوزة تركوه وحاربوه فمثلاً عندما يدخل عليه أحد الفضلاء فشأنه شأن الآخرين والفضلاء قد تعوّدوا أن يقوم لهم الجالسون وان يشيعهم صاحب المجلس إلى باب الدار وأحياناً يقدّم الخادم الحذاء امامهم، وهداياهم تصل إليهم كلاً بحسبه، أما عند الإمام الصدر فهذا لم يكن، فكان يواجه الآخرين بما فيهم بلا مجاملة ولا يأبه بالنتائج وعندما قيل له أن الفضلاء يحاربونك قال: أنّهم يحفرون قبورهم بايديهم.

فأية حوزة هذه.. ليس فيها تقبيل ايادي وليس فيها تفضلتم وتكرمتم وتشرّفتم.

أنّها حوزة علي بن أبي طالب (ع) وهي لا تنفع في هذه الأيام.

أنّها حوزة ومرجعية الإمام الصدر.

 

الانتفاضة الشعبانية

 

لا أريد في هذا الفصل التحدّث عن الانتفاضة وتوابعها بل الاقتصار على ما يتعلّق بجانبين الأول عن تأثيرها في الجماهير العراقية باختصار.

والجانب الثاني عن دور الإمام الصدر (رض).

أما الجانب الأول: فخلال عقد الثمانينات كاد اليأس يبلغ في الأُمة مبلغه وخصوصاً بعد انتهاء الحرب مع إيران فقد كان هناك امل بأن يسقط النظام خلال الحرب وعندما قامت حرب الخليج الثانية تجدد الامل بالخلاص من هذا النظام ولكن لم يكن يخطر في البال عموماً أن يحدث حدث إسلامي مهم في العراق وبعد ذلك حدثت الانتفاضة التي اعادت الامل مرّة أخرى بتحقيق الحلم الإسلامي وكانت الانظار تتجه صوب قيادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ورأت الأُمة في هذه القيادة المخلص بعد طول الانتظار وانتظرت الجماهير أي تحرك ولم يحدث شيء بل تركت الجماهير عزلاء أمام النظام الدموي ومع كُلّ ذلك بقيت الأُمة على احترامها لقيادة المجلس الأعلى حتّى بروز حركة الأمام الصدر التي استوعبت الأُمة بكافة طبقاتها ومستوياتها وبدأت كفة الحكيم في التراجع أمام تنامي شهيدنا إلى أن انتهت تقريباً شكلاً ومضموناً.

أما الجانب الثاني: وهو ما يتعلّق بشهيدنا (رض). فعندما انتفضت النجف وقاومت بمساعدة المحافظات المقاربة لها كالسماوة والديوانية اللتين كانتاً المساعد الأكبر في صمود انتفاضة النجف إلى أن دخل الجيش وكانت الفوضى حينها تعم المدينة ولم تكن هناك قيادة محددة على مستوى علمائي مؤهلة أو متصدية للامة حتّى تصدى الأمام الصدر فاتجه إلى منزل زعيم الحوزة في حينها المحقق الخوئي وحدّث كلام بينها فاشتد السيد الشهيد في الكلام أخيراًً وقال:

أما أن تتصدى للأمر أو تدعنا نتصدى له، انت المرجع وعليك تولي هذه المسؤولية.

وبعد أن حصل اليأس عنده اعتزم خوض المعركة بنفسه وان كان البعض يحاول أن يقلّص أو يحجم من دور الأمام الصدر في هذه الانتفاضة ويقول: أنّه جيء به رغماً عنه (وصاحب هذه الكلمة "السيد عمّار أبو رغيف" أحد طلبة السيد محمّد باقر الصدر والرجل ما أنفك يقلل من أهمية الأمام الصدر ويقول أنّه لم يثبت عنده أجتهاده، ويستهزي ء بآراءه وكلماته وقال: أنّه لم يقرأ كتب الأمام الصدر، ولكن حتّى لو قرأها ووجد أن السيد محمّد الصدر أعلم من السيد محمّد باقر الصدر فأنه لن يقر بذلك. وهكذا الكثير من القدح). وهذا غير صحيح فشهود عيان ومن داخل النجف ممن لهم دور في الانتفاضة. يحدّثوننا بأن الأمام الصدر كان أول المبادرين إلى إصدار فتوى أو بيان شديد اللهجة بالجهاد وبالاشتراك مع السيد السبزواري (قُدس) ويحدّثني شاهد عيان ومن الثقات وفضلاء الحوزة أنّه شاهد الأمام الصدر خارجاً من مسجد الهندي وحوله مجموعة من الشباب المسلّحين واتجه إلى حضرة أمير المؤمنين (ع) وارتقى على سطح "الكيشوانية" المقابلة لباب القبلة وتجمّع الناس حوله ليستمعوا له فألقى خطبة شديدة في الجهاد حتّى أ لهب الحماس عند الناس، وكان (رض) خلال تلك الأيام يدوام على الحضور إلى حضرة أمير المؤمنين (ع) للصلاة في الظهر والمغرب، وقد كان يوجه الناس للعمل الصحيح ومنه أنّه أمر بأخراج الجرحى إلى مكان آخر خارج الحرم بسبب الدماء التي كانت تنجس أرض المرقد المطهر واخراج الدبابات والآليات منه.

وحتى اشتهرت وانتشرت فتواه بالجهاد والصقت على الحيطان في ارجاء النجف. وكان الناس متفاعلين معه بشدة لكونه من آل الصدر إذ أن محور الانتفاضة هو اسم السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) وا لهتافات بأسمه في كُلّ مكان (وقد حمله الناس على الاكتاف من النفق وحتى الحضرة المطهرة.

وهذا غير محبذ عند الحوزة كما هو واضح لذلك استبعدوا الإمام الصدر من اللجنة التي تشكلت لقيادة الانتفاضة وإدارة شؤون المدينة. واستبعاد الإمام الصدر ليس وليد اليوم كما يعبّرون فقد وضحنا سابقاً مدى كراهة المسلك التقليدي لاهل هذا البيت وخصوصاً شهيدنا الذي يعتبر الوريث الوحيد في النجف الأشرف لابن عمه السيد الشهيد وعدم ذوبان شهيدنا في بوتقة هذا المسلك.

ورغم ابعاده عن هذه اللجنة فانه عملياً بقي المحور الذي التفت حوله الجماهير، وحينما قام الجيش بالقصف العشوائي على المدينة واقترب من اقتحامها جاءت مجموعة إلى الأمام الصدر وعرضوا عليه أن يخرجوه من النجف والتوجه إلى خارج العراق "إلى إيران" فأجابهم: (رض) أبعد هذه الشيبة أفارق أمير المؤمنين (ع) ورفض الخروج.

وبعد دخول الجيش إلى المدينة المقدسة كان الأمام الشهيد مع عائلته "عداً السيد مصطفى الصدر (وقد حمله الناس على الاكتاف من النفق وحتى الحضرة المطهرة).

في جامعة النجف مع أكثر من خمسين نفساً كعائلة السيد كلانتر ويحضرني من اسماء الموجودين هناك في ذلك اليوم الشيخ علي خائفي والسيد عدنان العلوي والشيخ محمّد الجواهري والشيخ حسن القسام والشيخ علي البهادلي مع نساء وأطفال. وبقوا في سرداب الجامعة مدة ثلاثة أيام والجيش لا يعلم بوجودهم في السرداب إلى أن اصرّ الأمام الصدر على الخروج مهما كلّف الأمر.. فعارضه جماعة من الموجودين وبعد ذلك ارسلوا أحد خدم الجامعة إلى الجيش المحتل للجامعة وعاد ليخبرهم بالخروج فخرجوا.

ويحدّثني عدد من الحضور أنّهم عندما رأوا الأمام الصدر ذهلوا منه وركّزوا عليه وأراد أحد الضباط أن يكشف عن وجه إحدى العلويات فقال له شهيدنا منتهراً: سافل.

بعد ذلك اتجهوا بهم إلى مديرية أمن النجف والتي كانت ما تزال بيدّ الثوار فأتخذهم الجيش درعاً بشرياً وكانت الاطلاقات النارية تمرّ بقربهم فخافوا فقال لهم الإمام الصدر: كونوا ورائي ولا تخافوا. بعد ذلك بقليل جاءت إليهم سيارة بسرعة مذهلة وهي من نوع "جيب" مكشوفة وفيها السائق ومعه جندي على مدفع رشاش وعلى بعد مسافة منهم انقلبت السيارة وقتل من بها نتيجة الحادث، وعندما وصلوا إلى المديرية والتي كانت محتلة بالكامل من قبل الجيش أطلقوا النساء والأطفال قبل وصو لهم وقيّدوا الإمام الصدر ومن معه وصدرواً حكماً باعدامه، وبعد أن وضعوا غطاءً على عيني كُلّ واحد منهم وتهيئوا لرميهم بالرصاص تراجعوا! من دون أن يعلم أحد ما هو السبب في تراجعهم.

 

 

وبعد ذلك نقلوهم إلى قرب ملعب النجف وهناك جاء ضابط كبير يتصفح الوجوه فوقف عند الإمام الصدر وقال له:

نطالب بدمك يا صدر.. ها؟

فأجابه (رض): ما ذنبي أن خلقني الله من آل الصدر.

فقال الضابط ساخراً من لهجة الإمام الصدر حيثُ تكلّم بالفصحى: ما ذنبي أن خلقني الله من آل الصدر. بطريقة هازئة فأجابه شهيدنا:

ماتريدون؟ كلكم تريدون أن تكونوا صداماً. لعنة الله عليكم.

فجن جنون الضابط وسحب مسدسه ليطلق النار على شهيدنا فأرتمى السيد كلانتر على شهيدنا واحتضنه كأن لسان حاله يقول اقتلوني معه. وبعد ذلك ارادوا إعدام الإمام الصدر واوثقوه كما فعلواً في مديرية الأمن ولكنهم تراجعوا كالمرّة السابقة.

وفي هذا اليوم قبل هذين الحادثتين انهالوا عليهم ضرباً بالهراوات البلاستيكية ما عداً السيد كلانتر (رحمه الله) وكان الإمام الصدر حينها واقفاً. فبينما الآخرون يتدحرجون على الأرض من ألم الضرب نجد أن شهيدنا اجتمع عليه حوالي خسمة من الجلاوزة وهم يضربونه بقسوة وهو (رض) واقف ثابت لا يتحرّك ولا يتفوه بكلمة تأوه واحدة حتّى أرتوت الكلاب من الضرب، وبعد ذلك ارادوا نقلهم إلى مكان آخر وعندما ركبوا عمد أحدهم إلى الإمام الصدر وضربه على رأسه فإطار عمامته من على رأسه فدفعه شهيدنا في صدره وتمشى بثبات ووضع عمامته على رأسه وذهل الحاضرون من قوة قلبه هذه القوة التي لم يكن أحد يعرفها عنه ليس لأنّها غير موجودة بل لأنّها غير ظاهرة.

المهم أنّهم نقلوهم بسيارة نوع "مرسيدس" ثمانية عشر راكباً وسيارات أخرى معهم وبعد أن وصلوا إلى بغداد واتجهوا بهم إلى مجزرة الرضوانية المرعبة حيثُ شاهدوا في ساحة هذا المعتقل مشهداً مرعباً حيثُ العشرات بل المئات يعذّبون على جذوع الاشجار وعلى الأرض والجثث تملأ المكان ثُمّ اتجهوا بهم صوب أحد المعتقلات وبعد ذلك جروهم إلى التحقيق الواحد تلو الآخر، وكان المحقق معهم حسب الراوي المجرم "صدام كامل" وعندما وصلت النوبة إلى الإمام الصدر تأخر في التحقيق حتّى ظنّ الآخرون أنّه قد قتل وبعد ذلك الوقت عاد فسأله بعضهم عن التحقيق فقال: ذلك شأني.

ولكن بعد سنوات سئل عما قيل له في التحقيق فقال: قالوا لي كيف افتيت بالجهاد؟ فأجبت: أفتيت تحت تهديد السلاح. ثُمّ علق قائلاً: نعم لقد افتيت بالجهاد تحت تهديد سلاح البعث الكافر فهو مسلّط علينا.

وخلال فترة الاعتقال التي استمرت ثلاثة عشر يوماً حدثت بعض المفارقات ففي إحدى المرات ونتيجة لعدم وجود الماء الكافي تناقشوا حول التيمم فقال: اني أخالف المشهور في كيفية التيمم. إذ أنّه (رض) يرى أن تتشابك اصابع اليدين فعارضه عدد من الموجودين الذين هم من اتباع المسلك التقليدي ووصل الأمر أنّهم هددوا الإمام الصدر أنّهم إذا خرجوا فأنهم سوف يفعلون ويفعلون.

وفي إحدى المرّات قام عدد منهم بعمل اوراد وهذه الاوراد وحسب رأيهم سوف تعجل في اطلاقً سراحهم وجعلوا لكُلّ واحد ورداً فعرضوا الأمر على الإمام الصدر فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فأمر أولاده بالنوم وجعل عمامته تحت رأسه الشريف ونام.

وبعد مضي عشرة أيام على الاعتقال جاءوا إلى المعتقل بعدد من الشخصيات الحوزويّة كالسيستاني والخلخالي وآخرين وبقوا في الاعتقال ثلاثة أيام بينما شهيدنا والباقون الذين أُعتقلوا في الجامعة بقوا ثلاثة عشر يوماً كما ذكرت آنفاً.

وبعد اكتمال هذه المدة أخرجوهم واعطوا لجماعة الجامعة كتاب اطلاقً سراح وآخر باستلام جامعة النجف، بينما أعطوا السيستاني ورفاقه كتاب اطلاق سراح واذن بدخول مدينة النجف ونقلوهم سوية في سيارة نوع "ريم" وعندما وصلوا إلى جسر الكوفة أوقفتهم سيطرة للحرس الخاص، وكان في السيارة ضابط كبير في القصر أو الحرس الخاص وعندما صعد إلى السيارة ضابط السيطرة رأى كتاب الجامعة والكتب الأخرى فقال: هؤلاء ويعني السيستاني ورفاقه يدخلون إلى المدينة لوجود إذن بالدخول أما هؤلاء يعني الإمام الصدر وكلانتر وباقي أفراد الجامعة فلا يدخلون إلى النجف لأنهم لا يملكون كتاباً بالدخول فحدثت مشادة كلامية بين الضابطين عندها قام السيستاني وقال: أنا عليّ بجماعتي ولا شأن لي بالآخرين! فوقف الجميع مذهولين حتّى الضابطان عندها أذن ضابط السيطرة للجميع بالدخول، بعد ذلك باتوا في أحد الأماكن في نفس السيارة وأطلقوهم مجموعة بعد أخرى.

بعد ذلك كان الإمام الصدر يواظب على الخروج مرتدياً كامل زيه الحوزوي وكان الوحيد في النجف يمشي بعمامته في الشارع بينما كُلّ معمم في النجف كان أما لا يخرج من بيته وإما يضع غطاءً على رأسه بدل العمامة إذا أراد الخروج ومن ذلك الشيخ محمّد إسحاق الفياض والشيخ كاظمي من حاشية الخوئي وقد روى هذه الرواية الإمام الصدر بنفسه (رض) يقول: أنّه في إحدى المرات ذهبت لأتسوّق فشاهدني أحدهم فقال: إلى الآن لم نخلّص من العمائم.

وهكذا بقي الحال إلى أن استقرت الأُوضاع مرة أخرى

وخلاصة ما نستفيده من انتفاضة النجف وفق هذه الأحداث أن الحوزة لم تكن على مستوى المسؤولية بل أن حبّ الحياة كان هو الغالب.. وعندما رأت الحوزة أن الجماهير التفت حول أحد الد خصومها وهو شهيدنا اضطرت إلى تشكيل لجنة وهذه اللجنة لم تكن أهلاً لهذه المسؤولية بل معروف عن الكثير منهم أنّهم ليسوا من أهل الجهاد أو التقوى بل أن حبّ الترأس هو الذي يدفعهم طمعاً في مستقبل زاهر وملك دنيوي رخيص وكانت الانتفاضة هي الحدث الأهم الذي أبرز طاقات شهيدنا وقوة قلبه وأهليته للقيادة ومع كُلّ ذلك بقي الإمام الصدر عند الأُمة مجهولاً والسبب هو الإعلام القذر والتعتيم على دوره وشخصيته فمن النادر عند باقي الجماهير إذا ما استثنينا الذين عاصروا انتفاضة النجف أن نجد احداً يعلم بدور السيد الشهيد في الانتفاضة والى يومنا هذا.

بينما هناك عدد من تجار العمامة صعد نجمهم وصاروا هم القادة والعظماء وهكذا هو الحال منذُ قرون فمن ذا يعرف دور الخالصي في ثورة العشرين وما بعدها ومن ذا يعرف دور السيد مهدي الحيدري أو دور الشيخ محمّد الخالصي نجل الشيخ مهدي الخالصي في العراق وإيران ما قبل الثورة فالشيخ الخالصي هو الذي قاد الجماهير ودخلوا إلى المبنى الحكومي حيثُ كان الشاه موجوداً وداسوه بالأحذيه، ولكن من يعلم ذلك؟؟

ولكن إرادة السماء فوق الكُلّ يريدون أن يطفئوا نور الله بافواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون

التصدي

تصدى الأمام الصدر للمرجعيّة في ذلك الجو المضطرب حيثُ أنّها المرة الأولى التي تعصف بالشيعة في العراق خصوصاً عاصفة الضياع حيثُ أن الأُمة كانت متحيرة ولا تعرف ما تفعل وذلك لأسباب أهمها عدم وجود الوعي الإسلامي الكافي.

وكذلك البعد الشاسع بين الحوزة والشعب كما قال شهيدنا إذ أن المرجعيّة كانت تعيش في برجها العاجي وسط العنعنات والتكبر الضخم الذي كان عليه أغلب السابقين كما قال (رض)

ومن الدواعي التي ادّت إلى تصدي الإمام الصدر الشهيد للمرجعيّة هي أنّه قال في إحدى المناسبات: كنا نتذاكر حال الحوزة في النجف اناً والسيد كلانتر والسيد مهدي الخرسان فقالاً: بعد سنوات لن يكون في حوزة النجف مجتهد واحد وكان هذا الأمر أحد الأسباب التي دعت إلى أن تصدى للمرجعيّة. المهم أنّه تمّ افتتاح الكثير من المكاتب في النجف الأشرف ومن أشهر من تصدى بعد وفاة المحقق الخوئي.

1- السبزواري،

2- السيستاني،

3- الأمام الصدر، وبعد وفاة السبزواري والذي لم تستمر مرجعيته أكثر من عام واحد تصدى آخرون وهم بالإضافة إلى شهيدنا والسيستاني كُلّ من:

1- بشير الباكستاني.

2- علي الغروي.

3- محمّد سعيد الحكيم.

4- حسين بحرالعلوم.

وقد كانت السمة المعروفة والتي كانت تطلق على شهيدنا أنّه مرجع الدولة إلى درجة أن من كان يدخل إلى مكتبه فانه لا يجد سوى عدد قليل من الزائرين وموظفي المكتب. وقد كان الإمام الصدر يتواجد في اليوم مرتين ساعة قبل صلاة الظهر وساعة بعد صلاة المغرب وكان هذا في بداية تصديه، ولم يكن في الساحة من يعرف الأمام الصدر حقّ معرفته سوى عدد قليل من الخواص وذلك لما قلناه سابقاً من اعتزال الأمام الصدر وكذلك الإعلام المكثّف ضده من قبل العامة والخاصة.

واذكر خصوصاً المكاتب والشخصيات التي كانت مرتبطة بالمحقق الخوئي والجهات الإعلامية المرتبطة بالمؤسسات الخيرية التابعة للحوزة كمؤسسة الأمام علي (ع) في لندن التي تصدر مجلة النور إذ أنّها كانت تشنّ حملتها

ا لهوجاء ضدّ شهيدنا إلى حين استشهاده (رض) ولهذا فقَد كانت الجماهير تبتعد عنه وعن مرجعيته.

والسؤال المطروح ماهي علاقة الشهيد بالدولة وكيف تسنّى له تحصيل الموافقة على طباعة مؤلفاته واستلامه المدارس وتوقيعه على الأقامات بالنسبة للاجانب؟ وقبول الطلبة في الحوزة؟ المشهور هو أن الدولة اشترطت على الأمام الصدر عدم التدخل في السياسة وللحوزة أن تمارس حريتها بعد ذلك.

وقد عرضت في أحد البحوث هذه الفكرة على الإمام الصدر فقال: هذا معناه أن الحكومة قد قالت لي ذلك وهذا ليس بصحيح بل أن أنا الذي ارتأيت ذلك حفاظاً على الحوزة، ويقول في مكان آخر: أن سبب اختيار الدولة لي من بين المتصدين هو: أنني عراقيّ الجنسية والدولة لم تكن ترغب بوجود مرجع من جنسية أُخرى والسبب هو ظنهم بأمكانية السيطرة على المجتهد مادام عراقياً خاضعاً لقوانينها وبذلك يسهل عليها أن تتناوله بأيديها متى شاءت.

وقد قامت الدولة ببث اشاعة أن الأمام الصدر متعاون معها، وهذا ما فعلته الجهات الحوزوية أيضاً وذلك لكي تبعد الناس عنه فانه المرجع الوحيد الباقي من ورثة مدرسة السيد الشهيد (قُدس)

وهنا يطرح سؤال: ما الذي اضطر الدولة إلى ذلك؟ وما الذي تخطط له؟ يقع الجواب حسب تحليلي الشخصي في عدة نقاط أهمها:

1 - تخفيف الضغط عن الشعب والحوزة بعد ماتبين للدولة أن العنف والضغط غير مجديين خصوصاً بعد اشتعال الانتفاضة الشعبانية المباركة.

2 - اعتقاد الدولة أنّها حينما تمارس مخططاً جديداً وهو وجود مرجعيّة تعمل لصالحها وبث هذ الأمر من خلال الإعلام المخابراتي مع تأييد إسلامي لها بهذا الخصوص يؤدي إلى تشتيت الشيعة في العراق وعدم لم شملهم تحت راية واحدة.

3 - زرع مرجعيات عميلة لها كالشيخ بشير الباكستاني المشهور بعمالته الصريحة كما سنذكر ذلك بالأدلة. وفائدة هذا الأمر هو التمهيد للمستقبل بعد القضاء على أهم المرجعيات الموجودة لوصول المرجعيّة إلى أمثال هذا الشيخ بعد أن يكون قد ثبّت نفسه من خلال اعطاء رواتب مغرية وتوزيع كتب المناهج الحوزوية باسعار مخفضة.

4 - ايحاء فكرة أن مرجعية الشهيد مرجعيّة تعمل لصالحها.. وبهذا تنفر الناس منه. والضغط الظاهري على الآخرين كما حدث مع السيستاني الذي منع من الصلاة في مسجد الخضراء وذلك لان الدولة تعلم يقيناً بأن الناس سوف تنفر من الذي تتبناه حسب الظاهر وسوف تلتف الجماهير حول المرجعية المظلومة! وهي تعلم يقيناً بأن هذه المرجعيّة الأخيرة لا تشكل أي خطر عليها في الحاضر أو المستقبل مع اختلاق بعض الأحداث التي سوف نذكرها كمحاولة اغتياله واتهام الأمام الصدر وأتباعه بهذه الحوادث.

وهنا أمر لا بُدّ من الإشارة إليه أن الدولة العراقية تسعى بكل صورة إلى بقاء الحوزة في العراق وذلك لما له من أثر إعلامي وهي تضمن بذلك أن المرجعيّة لن تحرك ساكناً مادامت تحت اليدّ.

وسط هذه الأجواء بدأت المسيرة العملاقة لشهيدنا وهو يعي ما يفعل ويدرس ما يحدث بدقة عجيبة وبصبر وسرية عجز عنها الكثير من الكبار حينها والأمر الذي ركزّ عليه شهيدنا هو القبول المكثّف للشباب في الحوزة والسرّ في اختيار الشباب واضح وذلك لعلمه بأن الكثير من فضلاء الحوزة إنَّما يتبعون اهواءهم إذ حيثُ ما ترسو سفينة الدولار فهم ينوخون وكذلك فهم من اتباع الحوزة الصامتة التي ترى بأن التقية هي الدرع الحصين سواء كانت هذه التقية مشرعة أو لا وكأن رواية: "إذا ظهرت الفتن فعلى العالم أن يظهر علمه" لا تشملهم إلى يوم ظهور الأمام (ع).

وهكذا تزاحم الشباب على الحوزة والشهيد في ذلك الوقت في تكتم تام لا يبيح اسراره حتّى لأولاده ولا يعلم أحد ما يخطط له وقد وضع للقبول في الحوزة إختباران لم يسبق وجودهما في الحوزة الأول اختبار في الثقافة العامة والثاني الاختبار الفقهي، واقل درجة يجب الحصول عليها هي درجة ستون بالمئة في كُلّ منهما.

ويجب أن يدخل الطالب إلى الحوزة بشرط وجود توثيقين من قبل وكلاء معتمدين عند الأمام الصدر وكانوا قليلين جداً في ذلك الوقت وكانت لجنة الامتحان الثقافي مكونة من الشيخ الربيعي والشيخ الغريباوي، والشيخ الخفاجي والامتحان الفقهي عند الشيخ اليعقوبي.

وكان (رض) يشترط التعمم وكان يقول: لا تلقوا بعمائمكم في النجف حين تذهبون إلى محافظاتكم وذلك لاني اريد أن يرى الناس العمامة في الشارع لكي يحصل الاطمئنان عند الجماهير وتصبح ظاهرةً متنامية، إلا في حالات معيّنة كان يجيز للبعض القاء العمامة.

وقد كان يلقي بحثين في اليوم أيام الدوام الحوزوي من السبت إلى الأربعاء صباحاً يلقي بحثه الفقهي وعصراً يلقي بحثه في الأُصول وقد تطور الأمر بعد ذلك فصار يعطي درساً في التفسير يوميّ الخميس والجمعة وهو ما طبع بعنوان "منه المنان في الدفاع عن القرآن" وفي شهري محرّم وصفر يلقي دروساً في الثورة الحسينية وهو ما طبع بعنوان "أضواء على ثورة الحسين (ع)" و "شذرات من فلسفة تاريخ الحسين (ع)" وقد وضع منهجاً حوزوياً متطوراً ادخل فيه الحلقات في الأُصول للسيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) إلا أن احداً لم يقبل بتدريسه خوفاً من السلطة، وقام بعد ذلك بافتتاح جامعة الصدر الدينية وهي دراسة شاملة بالإضافة إلى دروس الحوزة ادخل الفيزياء والكيمياء والأدب الآنگليزي والأدب الفارسي وعلم التشريح والرياضيات وكذلك تدريب الطلبة على استعمال "الكمبيوتر" وقد تمّ تدريس الحلقات بشكل قسري فيها.

وقد تناوب على إدارة الجامعة كُلّ من السيد مقتدى الصدر والشيخ اليعقوبي وقد افتتح لها مدرستين الأولى المدرسة الباكستانية والثانية مدرسة الأمام المهدي (ع) وهما متقاربتان وبعد أن استولى آل الحكيم على المدرسة الباكستانية بأمر من الطاغية تحوّل الطلبة منها إلى مدرسة البغدادي، وقد ترك الأمام الصدر الكثير من الخدمات في المدرسة الباكستانية قائلاً: دعواً هذه الأُمور فأن آل الحكيم سوف يدخلون فيها طلبة وهم أيضاً أبنائنا. ومع ذلك بقي هناك عجز في بعض المواد الحوزويّة كتدريس مواد السطوح وخصوصاً الأُصول إذ أن الشخصيات القادرة على ذلك كانت معتكفة على تدريس المقرّبين منها فقط، وقد حدثت حادثة بهذا الخصوص إذ في إحدى المرات رفض الأمام الصدر التوقيع على أقامة السيد هادي السيستاني وهو اخو السيد علي السيستاني فراجعه في ذلك المرحوم محمّد كلانتر فقال له الأمام الصدر: لماذا يعتكف هادي السيستاني على تدريس الإيرانيين، والعراقيون لا يجدون احداً يدرسهم، إذا كانت هذه حوزة فسقة فليرحل إلى أهله. فمازال به السيد كلانتر حتّى قال له الأمام الصدر: سوف اوقع على الأقامة، وسوف نرى ما يحدث، وسوف تحاسب أنت أمام الله على ذلك.

عندها انفجر السيد كلانتر (رحمه الله) بالبكاء، وبالمناسبة فأن الأمام الصدر قضى مدة طويلة في الجامعة التي كان يديرها السيد كلانتر والسيد كلانتر يعرفه حقّ المعرفة وكان يدعو إلى تقليده من بادئ الأمر وقد وجه أبناءه لذلك قائلاً لهم أن الأمام الصدر هو الأعلم ولكن بسبب الضغوط الحوزويّة اضطر السيد كلانتر إلى السكوت مجدداً، ولكنه كان يغلق مسجد الجامعة أيام الجمع ويأمر أولاده بالذهاب إلى صلاة الجمعة في مسجد الكوفة. وكان (رحمه الله) يقول للأمام الصدر قبل أن يتصدى لا تركب في مقدمة السيارة قرب السائق بل اركب في المقعد الخلفي فانه لن يقلدك أحد فيرفض الأمام الصدر ذلك لانه يجد فيه مظهراً من المظاهر الدالة على التكبر وهكذا قضى أيامه على هذا المنوال، وكان السيد يتملك أيام تصديه للمرجعيّة سيارة نوع "مرسيدس" 1974 وبعد ذلك استبد لها لكثرة عطلها بسيارة أخرى "متسوبيشي" وهي التي استشهد فيها.

أما تعامله مع الطلبة فقد كان اذناً صاغية لأي طالب علم ويساعده مادياً ومعنوياً بالمقدار المستطاع ولم يكن يطلب معرِّفاً لكي يساعد المحتاج حتّى من غير طلبة العلم إلا ما ندر مع بعض العوام بينما كان الطلبة يذوقون الذل فيماً لو احتاجوا إلى مساعدة من مكتب السيستاني وغيره حيثُ يطلب منهم معرف وبعد ذلك يتشكل تحقيق. ما تفعل بالاموال؟ إلا يكفيك النصف؟ وهكذا وهذا فيماً لو وافقوا على مساعدته.

وفي أيام توزيع الرواتب كان الجميع يحضر إلى المكتب لاستلام الراتب لا فرق بذلك بين عربي وأعجمي بينما يقف العراقيون أمام مكتب السيستاني وغيره بشكل طوابير لاستلام الراتب وباقي الجنسيات يأتيهم راتبهم إلى البيت أو المدرسة وكان راتب الأمام الصدر هو ثلاثة آلاف ومائتان وخمسون ديناراً للمجرّد وستة آلاف ومأتان وخمسون للمتزوج بسبب قلة ذات اليدّ ولكنه كان لا يبخل بالمساعدة قدر الإمكان سيما القروض التي كانت تمنح للطلبة بين الحين والآخر بينما في المكاتب الأخرى فأن المساعدات منوطة بالتقليد والتأييد فمقلدهم ومؤيدهم يقبض عشرة أضعاف ما يأخذه غيره، وقد حدثت في تلك المدة حوادث عجيبة من قبيل شراء التقليد أي يقول لك أحدهم اعدل عن تقليد الأمام الصدر ولك 500 ألف أو مليون أو أكثر حسب الشأن، ومعلوم أن نظام الطاغية أصدر أمراً بأن التجنيد الالزامي يمكن دفع بدل عنه. بقيمة 750 الف دينار في الوقت الذي كان فيه الكثير من الطلبة هاربين من جيش الطاغية لذلك يتم استغلال عدد من الطلبة بهذه المسألة وهي أن يعدل عن تقليد الأمام الصدر فيقوم مكتب السيستاني ومحمّد سعيد الحكيم بدفع البدل عن طريق بعض السمأُسرة كالشيخ حسن الكوفي والسيد محمّد زبيبة وهذه الزمرة يقودها رضي المرعشي، وأخيراًً تمّ عرض مبلغ يقدر بالملايين لشراء أحد أهل الخبرة من الطلبة الاكفاء عند الأمام الصدر الشهيد مقابل العدول فرفض بشكل قطعي هذه المساومة وقد نوه عن هذا الأمر الأمام الصدر في إحدى خطبه فأرجع إليها.

ومن الأحداث المهمة في سنة 1997م تحرّك اثنان من الشخصيات العلمية في النجف الأشرف وهما السيد عدنان البكاء والشيخ أحمد البهادلي لغرض رفع الخلافات وتوحيد المرجعية، وقد جاءا إلى الأمام الصدر بهذا الغرض وقالاً نريد توحيد زعامة الحوزة ونحن نراك اهلاً لها فما تقول فقال: أذهبوا وقولوا ذلك للآخرين وأختاروا من تشاؤون اناً معكم أول الداخلين وآخر الخارجين. فما لبثاً أن عاداً إلى الأمام الصدر لينقلا له ردود باقي العلماء فمنهم من يقول: وأين اناً إذاً. والآخر وهو السيد محمّد سعيد الحكيم قال: أن محمّد الصدر يهودي نجس. ففشل الأمر.

وبمناسبة ذكر السيد محمّد سعيد فانه كان من أشدّ الناس على الأمام الصدر وكان يطلق عليه القاباً وسباباً فاحشاً فيقول مثلاً (مجنون، مخبل، مطيرجي) وهذا ليس بجديد على أهل هذا البيت إذ ينقل لي أحد طلبة السيد الشهيد قائلاً في إحدى سنوات السبعينات دخلت على السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) فوجدته مغموماً فسألته فعلمت أن محمّد علي الحكيم والد محمّد سعيد الحكيم قد سب السيد الشهيد وقال عنه يهودي وهكذا فأن هذا الشبل من ذلك الاسد. ولا يخفى ما فعله أهل هذا البيت مع الشيخ المظفر والسيد محمّد كلانتر رحمهما الله بسبب أن هاذين العلمين قاماً بتأسيس مراكز علمية غير خاضعة لسلطات آل الحكيم في تلك المدة وهي مدة مرجعية السيد الحكيم.

وقد ركّز شهيدنا بالخصوص في اختيار وقبول طلبة الحوزة على أهل جنوب العراق حيثُ كان يفسح المجال لهم للدراسة وكان يواجههم بحب أبوي معروف.

وأسباب ذلك تعود إلى أن المشهور في الحوزة التقليدية أن أهل الجنوب من المتخلفين اوكما يسميهم أكثر أهل النجف "المعدان" أو كما يسميهم الملتفون حول السيستاني ومحمّد سعيد الحكيم "العربنچية" هذا مع العلم الأكيد مالاهل الجنوب من ادوار تاريخية مهمة في رفعة الإسلام والتجاوب معه على طول الخط وهكذا تعامل الأمام الصدر مع الجميع بالتساوي ولكن كما قلت كان يعطي لجنوب العراق أهمية خاصة لذلك نرى أن الغالبية العظمى من ائمة الجمعة هم من أهل الجنوب فأهل الجنوب أهل الشجاعة والكرم والأخلاق العربية الإسلامية الفاضلة وليسوا "أهل القيمة والتمن" كما يؤثر عن شهيدنا (رض) كُلّ ما في الأمر أن الشعب العراقيّ عموماً كان يحتاج إلى قائد يعيش آلامه متاعبه ويوازيه في الشجاعة التي كانت تفور في داخل ضميره وهكذا كان الصدر وكان العراق.

لذلك لم يؤثر عن أهل النجف أي مساندة للإمام الصدر إلا ما ندر ومعلوم هو المستوى المتدني في الأخلاق الذي وصلت إليه هذه المدينة التي كان من المفروض أن تكون مدينة العلم والأخلاق والشجاعة ولكنها وللأسف لم تكن كذلك بل واجهت شهيدنا بالحرب منذُ الأيام الأولى وهذا ليس بجديد عليهم إذ أن الغالبية من أهل هذه المدينة المقدسة يميلون إلى اهوائهم وملذاتهم وأحتقار رجل الدين والتجرأ عليه وكانوا لا يحترمون عالماً ولا يحترمون أي تشريع إسلامي وكان البعض من العلماء يجاملهم على حساب الحقّ ويغدق عليهم الاموال والمجاملات السطحية لكي يضمن ولاءهم ولكن أي ولاء. لذلك نجد أكثر أهل النجف يرجعون إلى محمّد سعيد الحكيم والسيستاني في التقليد وأي تقليد هو؟ إذ من النادر أن تجد بينهم مؤمناً ملتزماً لا يحلق لحيته مثلاً.. أو لا يستمع إلى غناء أو احتساء خمر وحدث ولا حرج من هذه المخالفات وغيرها ولا اعني بأهل النجف سوى هذه البقعة المحيطة بضريح أمير المؤمنين (ع) بينما الاحياء الفقيرة وباقي الاقضية من الناس البسطاء الذين سحقتهم الدنيا والسلطة الغاشمة وهذه الاحياء الفقيرة مسكونة من أهل جنوب العراق الذين هربوا أو تركوا محافظاتهم أثناء الحربين.

لذلك بقيت النجف وحتى اليوم الآخير من حياة شهيدنا العملاق تناصب العداء لمرجعيته بل وللإسلام ككل. وهذا ما اتخذه محمّد باقر الحكيم كمطعن أساسي على مرجعية الأمام الصدر وأقول له هنيئاً لك هذه الزمرة التي سترد معها يوم القيامة بئس الورد المورود.

المهم أنّه وسط هذه المشاهد كان شهيدنا يقرأ ويدرس ما يحدث ويخطط للغد في صمت فكان يستخدم التقية في العديد من آراءه إلى درجة عدم الإجابة على بعض الأسئلة والاستفتاءات ولكنه يضع عبارة تبعث على التفكر فمثلاً عندما يكون السؤال فيه رائحة سياسية يجيب قائلاً "هذا مخالف للتقية" وفي إحدى المرات سألته عن كرة القدم فكان الجواب "يجاب شفوياً" وبعد المراجعة قال (رض): أن كرة القدم الآن شأن دولي وهي مرتبطة بالسياسة أكيداً والتدخل في تحريم بعض متعلقاتها كالدخول إلى الملاعب واللعب في الأندية.. إلخ معناه التدخل في السياسة وهذا يعني التصادم معهم.

وفي إحدى المرات قال لي (رض): حبيبي لا تظن بأني في تقية من العراق فحسب بل اني في تقية من الغرب وأنا في غرفتي هذه. المهم أن الأمام الصدر كان يتكتم على الكثير من آراءه كقوله بولاية الفقيه وغيرها وكذلك كان لا يعطي سرّه لأحد فبالرغم من وجود الكثير من الشباب الثقات حوله إلا أنّه كان يوجه من دون أن يعطي ايضاحات كثيرة حول ماهية المخطط الذي يريده وكان يقول: أنا لا أعلم ما سوف أفعله في المستقبل بل أعمل لكُلّ يوم بما اراه من المصلحة وما فيه رضاً الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان يربّي طلبته على أمرين السرية والاخلاص وبالخصوص الرضا بما يأتي من الله فكان يؤكد على أن لا تشتكوا مهما تنزل عليكم من مصائب وكان يجسّد ذلك عملياً فهو كما يعلم الجميع مصاب بمرض في بدنه ومنذُ أمد لا يعلمه إلا الله ولكنه كان بالرغم من الآلام التي كان يعانيها فهو يفلسف الأمر. بأن المرض لا يكون إلا بذنب وهو كفارة لذلك الذنب كما يؤثر عنه (رض).

ففي إحدى زياراته للسيستاني قال له هذا الأخير: سيدناً تشتكون المرض..

ففي إحدى زياراته للسيستاني قال له هذا الأخير: سيدناً تشتكون المرض، فأجابه الشهيد: حبيبي أنا أرى الشكوى إلى الله حرام.

وهذه هي القمة التي من الصعب أن نجدها بين كُلّ المدّعين أما الاخلاص فقد سأله مرّة في إحدى المقابلات الشيخ البهادلي قائلاً: سيدي لو سألت نفسك سؤالاً فما تسأل فقال له (رض): أقول لنفسي هل انت مخلص. ومن هذين الأمرين ترى مدى ما وصل إليه شهيدنا في العرفان الذي أصبح تجارة بيدّ الكثير من أصحاب الأهواء فبينما نجد الكثير يتظاهر بالخشوع ويسبّح ويهلل بشكل ظاهر ومسبحته بيده يقلّبها وخواتمه تبلغ العشرة أو الخمسة. ترى شهيد العظمة لا يتظاهر بأي مظهر من هذه المظاهر ويرى أن العبادة والاخلاص أمر خاص بين العبد وربه فاذاً ظهر أصبح رياءً والعياذ بالله.

وبخصوص الدراسة الحوزويّة من حيثُ الدوام أو التعطيل فقد كان ديدن الحوزة وما يزال هو اعتبار التعطيل هو الاصل فالتعطيل يشمل شهر رمضان وأُسبوع العيد في ذي الحجة وشهر محرّم ويستمرّ إلى العشرين من صفر أي إلى اربعينية الأمام الحسين (ع) والابتداء منذُ الخامس عشر من شهر شعبان لعطلة رمضان وهذا غير الوفيات والولادات وعند شهري الحرّ الشديد السابع والثامن من السنة الميلادية ويوم السبت من كُلّ أُسبوع.

 

 

أن مدة الدرس أقل من ثلاثة أشهر في السنة وهذا هو المعروف عن المنهج الحوزوي ولكن الأمام الصدر قرر تغيير هذه السيرة الحوزوية - أن صحّ التعبير فهو يعطل في شهر رمضان وخمسة عشر يوماً من شهر محرّم الحرام.

أما في الوفيات والولادات فانه كان يستمرّ في درسه مع أقامة تعزية في المكتب إذ كان يؤثر عنه أن الأمام المتوفى أو المولود في هذا اليوم لا يرضى بالتعطيل بل هو يرضى بالدرس أكيداً.

وكان (رض) يؤكد على الدرس يقول: أدرسوا وجدّوا وأريد منكم جميعاً أن تكونوا مجتهدين. وعندما كان يدرّس الكفاية بعد صلاة المغرب حين وجد إن الساحة خالية وذلك كما ذكرت آنفاً أن العراقيين يبحثون عن أستاذ في هذه المادة فلا يجدون فاضطر إلى تدريسها المهم أنّه في هذا الدرس كان يؤكّد على المثابرة ويقول: لماذا ندرس الكفاية؟ لأنّها من اصعب الكتب الحوزوية واقول لكم ادرسوا اصعب الكتب حتّى لا تكونوا؟ حايط انصيص؟ يعبر من فوقكم الجميع.

وكان يقول اريدكم جميعاً أن تكونوا مجتهدين فاذاً تركتموها للآخرين"داسوكم بقدم من حديد" وكان يؤكد على مسابقة الزمن وكان يريد مناً أن نقوّم أنفسنا وان لا نستجدي من الآخرين المعارف والعلوم.

وكان ينظر للمستقبل وفق منظوره السابق للتاريخ. وذلك بحكم خبرته ومشاهداته للواقع. إذ ظلت الحوزة والى يوم الناس هذا محصورة السيطرة والتسلّط على فئة معيّنة أما العراقيون فهم اتباع على أية حال ولا يحق لا حدّ منهم أن يكون منافساً سواء كان عالماً بالفعل أو لا أذ يجب عليه الخضوع وتقبيل الأيدي صباحاً ومساءاً ويسبح بحمد الفلانيين لا أكثر وهذا هو حال باقي الجنسيات كالافغان واللبنانيين وغيرهم. ولك أن تسأل أحد الافغان إذا كانت لديك معه ثقة متبادلة ليحدّثك بمدى التعسف والجور الذي كان يلحق بهم. إذ يتحدث أحدهم وهو من أساتذة الحوزة في النجف قائلاً: كنّا في أيام الخوئي عندما كنا نراجع من أجل تجديد الأقامة نذهب إلى مدرسة القوام وهناك يتربع محمّد تقي الخوئي الذي كنا نخاف منه أكثر من خوفنا من السلطة البعثية الكافرة وكان أحدنا لا يتنفس إلى أن يخرج وهو يحمل معه تجديد الأقامة السنوية.

وكانت الرواتب لا تكفي إلى منتصف الشهر ولا أحد يدري اين تذهب ملايين الدولارات وبأي جيب تستقر والى هذا اليوم واليك هذه الحادثه فبعد وفاة الخوئي قاموا باخراج مئات الآلاف من الاموال وقد أتلفتها الرطوبة إذ كانت مخزونة في السراديب التابعة لمكتب الخوئي وقد تلفت بالكامل. ولو قال قائل أنّها مخزونة لشؤون الحوزة أقول: أية شؤون هذه إذ لم يتم بناء مدرسة إلا ما ندر. ولم يعرف عن تلك المدة أنّها من سنوات الإنتاج الفكري الحوزوي حتّى يقال بأنها تصرف على المنشورات الحوزوية ومعلوم أن الشعب كان يعيش جهلاً كبيراً ولم تستطع الحوزة أن تقدم له أي شيء يذكر.

وقد لحق هذا الطغيان حتّى العلماء الذين يشهد لهم بالفضل والعلم كالشيخ الغروي إذ أن الشيخ الشهيد كان مظلوماً ومضطهداً من قبل الإدارة الحوزوية

بسبب قوله بأن الخوئي ليس هو الأعلم. والأرجح أنّه كان يرى اعلمية الشيخ حسين الحلي (رحمه الله) وينقل عنه أنّه كان يقول: حضرت بحث الخوئي اربعين سنة لم أقل يوماً بأعلميته.

وبسبب هذه المواقف اعتدى عليه محمّد تقي الخوئي بأن ضربه "بالمداس" في بيت الشيرازي وهذه حادثة مشهورة في النجف وقد كان محمّد تقي الخوئي لا يحترم ولا يبالي بأحد ويستخف بأكبر عالم.

وفي إحدى المرات كما نقل لي أحد ثقاتي أن الأمام الصدر ذهب للشهادة على رؤية الهلال عند مكتب الخوئي ومعروف أن شهيدنا كان أبيض الشعر. في كُلّ من رأسه ولحيته وحاجبيه لذلك تندر عليه محمّد تقي الخوئي بقوله: لا يأتينا أحد حواجبه بيضاء فتقع شعرة على عينيه فيظنها هلالاً ومن الحوادث مع هذا الرجل: أنّه كان جالساً عند شهيدنا بعد تصديه للمرجعيّة فقام شهيدنا بتعميم أحد الطلبة فقال محمّد تقي الخوئي: سيدناً يجب عليك الاهتمام بتعميم أولاد المراجع.

فقال له شهيدنا: أن أولاد المراجع يتعممون ليحافظوا على اسم الأُسرة أما هؤلاء فانهم يأتون الينا عن إيمان وعقيدة ورغبة في العلم فيجب أن نهتم بهم أكثر من اهتمامنا بأولاد المراجع.

ومن هذه الحوادث أن الشيخ محمّد حسن الأنصاري وهو الساعد الايمن للسيد السيستاني وهو زوج إحدى بنات السيد محمّد كلانتر (قُدس). قد قال لشهيدنا في أول تصديه للمرجعية "ألزم ظهر محمّد تقي الخوئي تكون لك المرجعية بلا منازع" فرفض شهيدنا رفضاً قاطعاً أن يتخذ المضلين عضداً وقد كان كما حدّثني أحد الثقاة يلعن محمّد تقي الخوئي ويقول: أن أولاد الخوئي شياطين. وهذا الطغيان والاستئثار مستمر إلى يومنا هذا، وهو متمثل بالسيستاني واتباعه ومكاتبه المشبوهه ومن ورائهم عبد المجيد الخوئي ومن وراء الجميع مالاً يعلمه إلا الله!! وشراء الضمائر مستمر إلى أن يأتي الله بامره وفي كُلّ الحوزات من قبل هذه الثلة فمرجعية السيستاني أن صحّ تسميتها مرجعية ماهي إلا قلعة من الرمال واتحدى كُلّ من يلتف حوله أن يثبت إمكانية السيستاني من الناحية العلمية فعلى مستوى الأصول يعلم الجميع أن كتاب الرافد في علم الأُصول للسيستاني هو في مستوى من الضحالة بشكل ملحوظ عند ذوي الاختصاص وقد نقده كُلّ من قرأه وقد نصحّ الكثير بعدم نشره لأنه طامة كبرى وإما كتبه الفقهية فلا تقل ضحالة عن ذلك، ولهذا السبب كان السيستاني يتهرب من أي مناقشة على مستوى هذين العلمين فمثلاً في درس البحث الخارج في الفقه وهو لا يلقي غيره يرفض السيستاني أي مناقشة وإذا كان عند طلبته أي استفسار أو أشكال فعليهم المطارحة مع ولديه محمّد رضاً ومحمّد باقر وقد حاول العديد مناقشته فأفلت منها بصورة مخزية كالشيخ الغروي (قُدس). إذ يقول: حاولت عدة مرات أن اناقشه لأرى مستوى علمه فلم أفلح في ذلك.

ومنها أن السيد المروّج وهو أفغاني طرح سؤالاً يختص بولاية الفقيه وكان السؤال حول الآية الشريفة؟ يا أيّها الذين آمنوا إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله؟ فقال المروّج: من هو المنادي في هذه الآية فأشاح بوجهة عنه.

ودخل عليه شهيدنا العظيم في إحدى المرات وقد سأله أحد العوام عن مسألة فقال السيستاني: ولدي محمّد، علي بالرسالة. فقال شهيدنا: وما تفعل بالرسالة ألست من كتبها.

وجاء السيستاني زائراً لشهيدنا في مكتبه فلماً استوى في مجلسه قال له شهيدنا: سيدناً نتباحث فقهياً. فأجاب: إنا لم أئت لغرض المباحثة.

بينما نرى الأمام الصدر يتصدى لأي مسألة وأي مناقشة من الصغير والكبير ولا يترك امراً أو يؤجله بل هو حاضر الذهن حاضر الجواب قوي الاستدلال ومن ذلك الكثير الكثير. وساحة النجف تشهد له بذلك وقد دخل في مناقشات فقهية وأصولية مع كُلّ المتصدين فافحمهم ومنهم الفياض وبحر العلوم والمرعشي وهو يدافع عن رأي السيستاني في مسألة قراءة القرآن؟ أي المرعشي؟ في نهار شهر رمضان وعلي السبزواري وهو يدافع عن رأي والده في مسألة افتتاح المطاعم في نهار شهر رمضان. وهكذا لم يبق مجالاً إلا ولجه ومن ذلك أنّه قرأ مؤلفات المتصدين وقيَّمها من دون تحيّز ومن هنا وعندما قرأ كتب محمّد سعيد الحكيم قال ما معناه: استح فأن هذه ليست أرائك.

وينقل أنّه قال فيه "لو درّس اللمعة لكان خيراً له؟ لذلك فهو لم يعترف بأجتهاد أحد سوى ثلاثة علماء في النجف وقد اجاب في استفتاء وجه إليه عن المجتهدين فقال: الغروي، والفياض والبروجردي مجتهدون وإما الباقون فالله أعلم بحالهم. وقد سألوه عن كثرة المجتهدين في قم فقال: لو غربلتهم لما أخرجت أكثر من ثلاثة وهذا يعني أن عنده موازين للاجتهاد هي موازين أستاذه ولا مجاملة فيها لأحد ومن ذلك قوله كنّت والحائري والهاشمي أعلم من الخوئي في زمانه والآن اسأل: وفق هذه الصلابة وعدم المجاملة ما هو عدد أنصار ومؤيدي شهيدنا: الجواب: لا أحد إلا من جعل الحقّ نصب عينيه وسحق نفسه الإمارة بالسوء، لذلك نجد أن الاسماء اللامعة في كُلّ المحافل العلمية قد شنت عليه الحرب فالنجف قد أتحدت ضده إلا ما كان من البروجردي والغروي والفياض وحسين بحر العلوم فانهم اتخذوا مسلك الصمت مع تقديم الاحترام والتقدير له.

وإما في قم فقد كان مقرراً عند عدد معتد به منهم أن يجمعوا على كتابة فتوى بأن مرجعية محمّد الصدر هي مرجعية عميلة. ولكن الشهادة قطعت الطريق عليهم والمهم أن شهيدنا خرج بعد كُلّ هذا منتصراً على الجميع ولكن بعد أن دفع دَمّه الطاهر ثمناً لهذا الانتصار).

وبعد أن أصبح الشعب العراقيّ هو الضحية الأولى لهذه العنعنات والعنجهيات والانتهازية، والعملاء وهذه تسمية صريحة قا لها شهيدنا في إحدى الأماكن حين قال أحدهم: اللهم احفظ العلماء: فقال الشهيد إلى من بقربه، العملاء. وهو يعني الفئة الساكتة المنتفعة والتي ليست من فئة العلماء لا من قرب أو بعد.

المرجعيات الأخرى

في نصّ خطي موجود له (رض) قال فيه: إن الاستعمار يهدف إلى هدم مرجعيتي كما فعل مع مرجعية السيد الشهيد (قُدس) لانه رأى فيها خطراً على كيانه ووجوده ويدعم باقي المرجعيات من حيثُ يشعرون اولاً يشعرون كما يحدث فعلاً. وهذا النصّ لشهيدنا له واقعية ملموسة فأن الأيدي التي تخطط من وراء الكواليس تبث بين الجماهير سواء على المستوى المخابراتي والاشاعة أو على مستوى الإعلام وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد من البيان وقد يأتي يوم نرى فيه أن هناك اسماء لامعة قد عمل الاستعمار على تنميتها وتضخيمها وأيصا لها إلى مناصب خيالية ولهذا فأن شهيدنا ركّز على هذا الأمر وقد ذكر إحدى هذه الاسماء وهو الشيخ بشير الباكستاني حيثُ صرّح شهيدنا بعمالته في حادثة مشهورة اذكرها باختصار: جاء بشير الباكستاني إلى شهيدنا بعد أن رفض الموافقة على توقيع أقامته فقال له: لماذا رفضت التوقيع على أقامتي. فقال (رض): من الخير لك وللحوزة أن تغادر النجف. فقال: ولماذا.

قال (رض) لا اذكر لك السبب المباشر وإنما هو ما أقول لك ارحل هو خير لك. ويعقب شهيدنا أنّه يمتلك دليلاً واقعياً ضده إلا أن المصلحة تقتضي عدم ذكره فانه قد يؤدي إلى مفسدة ولكنه يعطي بعض القرآئن على ذلك منها أن الباكستاني يمتلك من الاموال الشيء الكثير مع أنّه ليس عنده مقلّد واحد.

ويمتلك مزارع وأراضي في أماكن مختلفة من العراق مع الكثير من المواشي ويقوم بتوزيع مساعدات مالية أو غذائية في محافظات عديدة في الجنوب والوسط. وهناك نقاط أُخرى فالباكستاني يوزع راتباً جيداً وهو يصرّ على مواد قديمة في الدراسة لا تنفع الطلبة بل قد تؤدي إلى تحجير ذهنية الطلبة مثلاً يقول: يجب أن تدرسوا في المنطق:

1- ميزان المنطق.

2- الحاشية لملا عبد الله.

3- شرح الشمسية للكاتبي

وهذه المواد كلها قديمة لا تنفع طالب العلم أو قد تؤدي إلى تأخيره عدة سنوات، والنتيجة عدم فهم العبارت والمقاصد الواردة فيها وقد وضع عدداً من المدرسين منهم طلبة اكفاء ولكن اغراهم بالمال وآخرين مشبوهين كالشيخ محمّد السعودي الذي يعمل كأداري في مكتب الباكستاني وله اتصالات مشبوهة عديدة.

والباكستاني حينما يستقبل أي وفد لغرض التقديم في الدراسة للحوزة يقوم بأحباطه وتسقيط الحوزة في نظره قائلاً له: ما تفعل بالحوزة أذهب لبيع السكائر هو انفع وخير لك.

وقد اشترى عدة بنايات لجعلها مدارس منها:

1- دار الابرار،

2- دار المتقين،

وهذه الأماكن بؤرة للقذارة والانحطاط وقد هرب منها كُلّ مخدوع بها إلا مَن كان من الضالين المهم أنّه بعد رفض شهيدنا له يقول (رض): اتصل بي المحافظ "قائد العوادي" فقال: سيّدنا لماذا رفضم توقيع أقامة شيخ بشير فأجبته أجوبة تناسب المقام.

فقال: ولكن القيادة قررت الإبقاء عليه.

فقلت: هذا أمر أو اقتراح.

فأجاب: هو "اقتراح".

فقلت: إذن اناً ارفض وانهيت الكلام.

وتم سحب الأقامات بعد ذلك من الشهيد وانيطت بالمحافظ نفسه.

الحصيلة أن الباكستاني بقي في النجف وهو في الوقت الحالي قد اشترى المنازل التي بقربه وقد قامت الدولة بوضع حماية قرب منزله. فإمام داره التي تقابل الجبل وضع "كرفان" بطول عشرة أمتار وعرض أربعة امتار وفيه مجموعة من رجال الأمن وعندما تدخل داره تواجه الاستعلامات لكي يتم التفتيش وتوجد أمام داره سيارتان واحدة نوع "كرونا" والثانية من نوع سيارة اجرة والله العالم في الأيام التالية ما سيكون دوره وقد كان كُلّ علماء النجف يعلمون حقّ العلم ما هو الباكستاني ولكن لم يصرّح أحد منهم بخصوصه إلا ما كان على مستوى الجلسات الخاصة.

ومع ذلك تعاون معه آل الحكيم بأمور لا أعلم ماهيتها وأظن أن التعاون كان في مجال معيّن وهو مواجهة العدو الأكبر "الأمام الصدر" وهذا ليس مختصاً بهاذين بل اشتمل على ثالث هو السيستاني وهناك حادثة مهمة تجدر الإشارة إليها وهي أن الباكستاني قام في إحدى المناسبات بتوزيع مساعدة في حوزة النجف باسم الروحاني وقد سلّمها إلى عدد من الفضلاء من أصحاب الخط أو الحوزة التقليدية وبعد وفاة الروحاني قام بإقامة مجلس تعزية وقد دعا إليه كُلّ العلماء في النجف وعندما دعا الأمام الصدر رفض شهيدنا وأصر على عدم الحضور ولا أعلم هل أن السبب يختص بالروحاني أو لكون صاحب التعزية هو الباكستاني والثانية أرجح عندي، وقد اهدى في أحد الأيام مجموعة من الكتب إلى الأمام الصدر فرفض استلامها بشدة.

وفي بداية تصدي شهيدنا للمرجعيّة التف حوله عدد كبير من الفضلاء مثل السيد هاشم المخراقي والشيخ صادق الناصري والشيخ محسن الحسناوي وغيرهم إلا أن أُسلوب شهيدنا في عدم المجاملة على حساب الحقّ والدخل المحدود أدّى إلى انصرافهم عنه فالمخراقي كان يدعي الاجتهاد وعندما واجهة شهيدنا بأحدى المسائل الاستدلالية تصاغر وقال اناً لست مجتهداً.

وبعد ذلك لم يعدّ مرة أخرى إلى مكتب الأمام الصدر وهكذا الحال مع ابن عمه السيد حسين الصدر الذي دعا إلى مرجعيته في بادئ الأمر ولكن السيد الشهيد واجهة كما ذكرت آنفاً ففعل ما فعل جزاه الله ما يستحق وهكذا الآخرون ولكن في الأشهر الأخيرة من حياته الشريفة عاد إليه عدد منهم كالشيخ الحسناوي وعبد العالي المظفر وغيرهم.

وكذلك فعل آل البغدادي "السيد علي البغدادي وأخوته" حيثُ وقفواً موقف العداء من الأمام ولكنهم تراجعوا في الأيام الأخيرة. ومن العلماء الذين وقفواً وقفة شريفة مع شهيدنا أحمد البغدادي الذي أشار إلى أخوته وهو في الخارج بالالتفاف حول الأمام الصدر والبغدادي معروف في النجف بزهده وتقواه ومواجهته للحوزة الصامتة كما هو ديدن جده المجاهد السيد البغدادي (قُدس) وقد أصدر مؤلفات تظهر حقائق خطيرة عن واقعيّة مرجعية السيستاني واسلافه منها:

1- الطاغوت يحكم.

2- حقّ الأمام وغيرها

تعامله مع الآخرين

ذكرت نبذة عن الأُسلوب الذي كان يتصرف به مع الآخرين وهناك طرق أخرى كان يتميز بها (رض) فعلى المستوى الاداري لمكتبه كان يراقب بدقة تصرفات الموظفين في المكتب ولا يسمح لا حدّ بتجاوز حدود الشريعة المقدسة أو التصرف بخلاف الظاهر وفي حال صدور أي شكوى ضدّ أحد الموظفين كان يتحقق من الأمر بنفسه ويتخذ القرار المناسب ولذلك فهو قد غيّر من إدارة المكتب عدة مرات ولم يكن يعيّن أحداً على أساس المجاملة أو السمعة العائلية باستثناء ابني السيد كلانتر (قُدس) وهما السيد سلطان كلانتر زوج ابنة الأمام الصدر والسيد حسين كلانتر وهما معروفان بطيبتهما وأخلاصهما وتواضعهما وكاناً مطيعين للأمام الصدر إلى حدود بعيدة.

وإما الآخرون فهم من أبناء محافظات الجنوب والوسط ولا يرى فضلاً لأحد على الآخر وكان (رض) يجتمع بهم بين الفينة والأخرى ليراجع معهم السلبيات ويلقي عليهم محاضرة أخلاقية ويشدد على ضرورة التحمّل والتعامل بأخلاق وسعة الصدر مع الزائرين وإما لقاءه بالناس فقد كان في بادئ مرجعيته يجلس مرتين في اليوم المرة الأولى حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحاً إلى وقت صلاة الظهر والأخرى بعد صلاة المغرب ولكن عندما كثرت مشاغله وخصوصاً عندما انتشر تقليده بشكل واسع وأقيمت صلاة الجمعة وافتتح المحاكم الشرعية قلّص هذا الوقت. فصار يتواجد في الصباح فقط في الأيام الاعتيادية وهي أيام دوام الحوزة وإما أيام العطل فيجلس في نفس الوقت السابق وكان يخصص وقتاً للمقابلات الخاصة فيماً لو كانت عند الآخرين أمور خاصة أو سرية وهذه الساعة هي التي تسبق صلاة المغرب في كُلّ يوم وبعد صلاة الظهر. وفي حال وجود مسألة مهمة فانه يأخذ الزائر معه إلى بيته في "الحنانة".

أما طريقة مقابلاته للجماهير كانت بأن يجلسوا حوله ويسأل الواحد تلو الآخر وكان إذا تقدم إليه أحد يسأله فأنه يعطيه كُلّ انتباهه وقد حاول البعض استراق السمع لما يسأله السائل فانتهره شهيدنا قائلاً: بئس ما سولت لك نفسك. والسائل يجلس دائماً عن يمينه وإما عن شماله يجلس أحد المساعدين. وفي إحدى المرات جاءه حسين الصدر فجلس عن يمينه فقاله له: حبيبي من أين يأتيني الناس إذا جلست مكانهم فقام وتحوّل إلى مكان آخر.

وكان في بادئ الأمر يجلس في ثاني غرفة على يسار الداخل بعد ذلك تحوّل إلى أول غرفة على اليسار أيضاً وبعد أن أصبحت تضيق بالناس تحوّل إلى غرفة المكتبة التي تواجه الداخل وعندما أصبحت لا تسع أيضاً تحوّل إلى غرفة أكبر وهي التي تكون على يمين الداخل إلى المكتب وكان (رض) لا يجلس في صدر المجلس ابداً بل يجلس في الزاوية دائماً.

وفي مجال المقارنة مع باقي المكاتب المشهورة فأن الداخل يجب عليه أن يقبّل الايادي الممدودة بشكل آلي بحيث أن العالم لا يلتفت إلى القادم وكأن اعطاء يده يكفي لرد التحيّة وهؤلاء نجدهم يجلسون في صدر المجلس وعن يمينه مساعد وعن شماله مساعد والسائل عليه أن يجثو على ركبتيه امامه.

إلا ما كان من الشيخ الشهيد الميرزا علي الغروي (قُدس) فقد كان بسيطاً جداً مع ما تشهد له الحوزات من القدرة العلمية الفذّة.

المهم انك بعد أن قدّمت القربان المطلوب فأن عليك أن تشرب الشاي ولو كانت عندك مسألة فأن عليك أن تراجع الحاشية الذين يتعاملون مع الجماهير كأنهم ارقاء وطبقة سافلة.

وإما تصرفات وسلوك شهيدنا في الشارع فكانت بسيطة وطبيعية خالية من التظاهر وكان دائم النظر إلى الأرض إلا في حالات معيّنة وكان لا يمانع من الإجابة على أية مسالة حتّى وهو يمشي وأحياناً يقف مع السائل في الشارع ليجيبه وقد كان (رض) يمارس فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه ومن ذلك أنّه كانت بعض النساء يظهر شعرها من غير أن تعلم فيعلمها أو يرسل احداً لها.

وفي إحدى المرات وبالقرب من باب القبلة للحضرة العلوية المطهرة نزلت امرأة من سيارة وهي سافرة بالكامل وقد وضعت أصباغاً على وجهها وعندما مرّ من قربها بصق في وجهها وذهب فظلت تتكلّم بشكل غير لائق فعاد إليها وبصق في وجهها مرّة أخرى.

وفي إحدى المرات وهو خارج من المكتب جاءت امرأة وقد كشفت عن شعرها وصدرها فصاح بها ملعونة ملعونة ملعونة إلى مالاً نهاية.

ومرّة جاءه ضابط كبير في الجيش العراقيّ وذلك في الصحن العلوي الشريف وقال له ما مضمونه ما حكم عملي مع الجيش العراقيّ فقال له (رض) ما معناه: أنت في جهنم.

فقال: سيدي ما أفعل.

فقال (رض): خلص نفسك.

وكان (رض) يرفض المسير وراءه أو من حوله إلا في الأيام الأخيرة حينما كانت الجماهير تزدحم حوله إلى درجة أنّه سقط على وجهة في إحدى المرات وفي أُخرى سقطت عباءته.

وجاءت بعض الأخبار بانه معرض للأغتيال في أية لحظة وان كان (رض) لا يبالي بخصوص هذه المسألة إذ كان يروى عنه أنّه كان يقول: إني انتظر طلقة الشهادة يومياً وفي إحدى المرات نادى أحدهم بأعلى صوته بالصلوات فقال (رض): إذا كانت هذه الصلوات لله فجزاك الله خيراً وان كانت لي فعليك لعنة الله.

وعندما سمح بهذا الأمر في الأشهر الأخيرة وسمح للشعراء بالقاء قصائدهم مع ما فيها من المدح قال (رض) مامؤداه: أنّه قبيح أن يمدح الإنسان في وجهة وأنا شخصياً اتأذى من ذلك ولكن عندما رأيت أن في ذلك نصرة للمذهب فاني تغاضيت عن ذلك مع مافيه من أذى ليّ.

وكان لا يسمح بالهتافات التي كانت الجماهير في العراق ترددها خصوصاً في مسجد الكوفة الأعظم وكان يقول: أن هذه الهتافات مستعجلة ولا حاجة إليها الآن.

ويمكن القول أن الاستعجال في هذه الهتافات أنّها لم تكن تحدث في وقتها المناسب وقد كان يحث عليها في اوقات أخرى حينما يريد أن يظهر مدى ماوصلت إليه الجماهير من استجابة وقوة بحيث كانت تلبّي كُلّ ما تريده الحوزة الناطقة.

الأمام الصدر في بيته

معظمنا تختلف اموره وأحواله وأخلاقه وكلماته في خارج المنزل منها فيه. إذ أن الإنسان يحاول أن يحافظ على توازنه ويدقق في كلماته ويظهر بمظهر لائق فيماً إذا كان في الشارع أو الأماكن العامة أو عند استقباله الضيوف أما في البيوت فأحدنا ينقلب وضعه تماماً فيتكلّم بحرية زائدة على ما في الخارج ويأكل بطريقة تختلف ويتعامل مع اسرته بدون تحفظات وقد يكون أحدنا مثلاً أعلى أمام الناس ولكنه أمام اسرته شرّ مثل. ولا استثني طبقة معيّنة من طبقات المجتمع إلا أولئك الذين تطابق ظاهرهم مع باطنهم فأصبحت الرؤى واحدة والتعامل واحد يرى ولده كما يرى ابن جاره وأي إنسان آخر وينصح أسرته بما ينصح به الغرباء بلا فرق.

هذا في الإنسان العادي والمفروض أن هذه الصفات مما يتحلى بها مرجع التقليد أو رجل الدين عموماً فهل نحن كذلك؟

لنستمع إلى الشهيد السيد مصطفى الصدر وهو يجيب طلب أحد الأخوة عن سلوك الأمام الصدر في منزله وبين اسرته بعد أن حيّر العقول في سلوكه أمام المجتمع فهل كان امامنا مختلفاً أو هو هو كما هو في سلوكه الظاهر فأجاب الشهيد ابن الشهيد قائلاً:

بسمه تعالى

والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيبين الطاهرين. أما بعد.

فلقد أوكلت..

إليّ أيّها العزيز مهمة اناً أقل من أن أبصرً مداها أو أن أبلغ كنهها ومثواها.

ولعُمري لهو الشرف وأي شرف أن اخطّ بقلمي هذا الكال اسطراً تنبيك عن من غضت الابصار دونه، وتضاءلت الأفكار تحت هدى فنونه، واستعصى على النفوس الاقتراب منه رهبة واجلالاً أو خوفاً وفرقاً.

ورغم كُلّ هذا فهو أشدّ الناس تواضعاً، واوسعهم صدراً، وارحمهم قلباً، إذا كلّمك اسمعك، وان كلمته سمعك واصغى لك حتّى ظننت انك تكلّم نفسك، يلقاك باسماً ويودعك راحماً، فصرت أهوى أن اكلّمه أو أبدأه بحديث، وما أن أبدأ الحديث معه حتّى اتضاءل أمام خلقه الرفيع وعلمه المنيع.

كان وما يزال أباً حنوناً رحيماً، يتفقد أفراد اسرته فرداً فرداً، يسأ لهم عما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم واضعاً في كلماته الموعظة الحسنة، والكلمة الطيّبة، يزورنا إذا ابتعدنا ويدعونا إذا سئمنا، يلاطف صغيرنا ويرعى كبيرنا، ويعاقب مخطأنا، هو معنا كما هو لغيرنا، يقبل علينا ما اقبلنا على الله يأمرنا بالطاعة ولزوم القناعة، والزهد في الدنيا والصبر على البلاء، والرضا بالقدر والقضاء، يسكّن روعنا، ويزيد صبرنا.

يناقشنا في امرنا كالصديق رغم رأيه السديد ونظره المرهف في الأُمور

لطالما يجالسنا في سويعات السمر رغم أنّه يكره السهر، فهو ينام باكراً ويستيقظ باكراً، يكثر من الكتابة والتأليف في الصباح الباكر، يتناول فطوره بيده الشريفه قبل طلوع الشمس وبعدها يتفرغ للكتابة والإجابة على الاستفتاءات والتحضير لبحوث الفقه والأُصول والتفسير، التي يلقيها على طلابه في بحوث الخارج. حتّى أصبحت الكتابة واستقبال الضيف تستغرق جلّ يومه في البيت فلا نكاد نراه إلا في سويعات الطعام على المائدة فهو لا يأكل لوحده إلا نادراً ونحن بدورنا ننتظر هذه الفرصة الثمينة حتّى نجالسه ونسمعه ونتحدث إليه.

يقدم لنا الطعام أن قصرت ايدينا عنه، ويسأل عمن غاب منّا.

كنا ومازلنا نسأل عن الصغيرة والكبيرة في دين أو دنياً، نستأنس بطاعته ورضاه، ونأسف لسخطه أن جهلنا ما يريد، يعلم مناً مالاً نعلمه ولا نعلم منه شيء.

أنّه البحر المتلاطم والفيض المتعاظم - يعاتبنا أشدّ العتاب أن اخطاءنا فلا تأخذه في الله لومة لائم. ويلين لنا أن طلبنا منه الرضا.

إذا جلسنا نتحدث كان كأحدنا يحدّثنا بما نتحدث عن خبر أو صدر من شعر أو أدب في علم أو فن، يدير حديثه بما يقربنا إلى الله ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، يأمرنا بالتواضع والخضوع والسكينة والخشوع، ينهانا عن حبّ الدنيا ويحذرنا من التعلّق بحبال مودتها، يحضنا على الزهادة منها كما زهدها، يذكرنا بالموت ومخافة الفوت ويأمرنا بالصبر على البلاء وهو اصبر الناس على بلواه وما أكبر ما أبتلي وهو الصابر المحتسب القانع، فقد أبتلي بصحته وسقمه وسرّه وعلنه وفي أهله وأمته، ومازلت اسمع منه هذه الابيات المنسوبة إلى أمير المؤمنين (ع):

كن في امورك معرضاً وكُلّ الأمور إلى القضا

فلربما أتسع المضيق ولربما ضاق الفضا

ولرب أمر محزنٍ لك في عوارضه رضاً

الله يفعل ما يشا فلا تكن متعرّضاً

اسمعه يكررها علينا كلماً ألَّم بنا كرب أو اشتكينا له امراً يقلقنا جعلناً الله من مواليه ومن خدمه ومحبيه ومن شيعته ومريديه، واطال الله تعالى عمره الشريف ومتّع الأُمة تحت ظله المنيف أنّه نعم المولى ونعم النصير.

كتبت في النجف الأشرف،

30 جمادى الأول 1417

مصطفى الصدر

 

 

مع الوكلاء

 

لا شكّ أن كُلّ مرجعية إنَّما تعتمد بالدرجة الأولى على نشر افكارها وتوجهاتها من خلال وكلائها وكذلك تثبيت هذه المرجعية من خلال الدعوة لها، وكان للوكلاء نمط تقليدي مشهور وكان اغلبهم انصاف الجهلة بحيث لم ينفعوا الشعب العراقيّ بشيء يذكر على الإطلاق هذا إلا إذا استثنينا وكلاء السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) الذين كانوا من فضلاء الحوزة ويمتاز غالبيتهم بثقافة لا بأس بها.

أما شهيدنا فبدأ مرجعيته بوكلاء تقليديين واكثرهم وكلاء سابقون للخوئي وهم يحملون آنذاك وكالات لباقي المتصدين ولم يستفد الأمام الصدر من هؤلاء الوكلاء إلا بنسبة لا يعتد بها وعندما بدأت الحوزة تستقطب شباب العراق اتخذ الأمام الصدر اسلوباً جديداً إذ أنّه قبل أي حديث اشترط في الوكالة داخل العراق أن لا تستمر أكثر من سنة واحدة وتأريخها إلى مولد الرسول الأعظم (ص) في شهر ربيع فبدأ في سنة 1416 - 1415هـ بأدخال عناصر الشباب ضمن الوكلاء بالإضافة إلى السابقين وبعد ذلك بسنة بدأ باخراج العديد من السابقين وسحب وكالاتهم ولم يجددها إلا لمن ثبت على نهج المرجعية الحقة فأصبح جميع السابقين أعداء له بشكل علني فكان ظنه فيهم في محلّه.

وكان للشباب الحوزوي الدور الريادي في تغيير المجتمع واحتكاكهم المتواصل أدّى إلى تهيأة الأجواء للدخول في المواجهة الكبرى التي ظهرت في أيام صلاة الجمعة المقدسة.

فاتصل معظم الوكلاء السابقين بأجهزة النظام وأصبحوا موظفين في وزارة الاوقاف ووقفوا بحزم ضدّ وكلاء الأمام الصدر الجدد فصاروا اليدّ الثانية للنظام التي سعت إلى هدم هذه المرجعيّة الناهضة ولكن بدون جدوى.

كان ايّ وكيل لا يعطى الوكالة مالم يتم التحقق من أخلاقه ودينه وما قدّمه خلال العام الماضي وكان مسؤول الوكالات في سنة التغيير السيد جعفر الصدر فأشرف بنفسه على التحقق من الوكلاء.

كان المتعارف في الحوزة منذُ زمن غير معلوم أن الوكيل إذا جاء بمبلغ في الحقوق فله النصف وكانت على نحو الجعالة على ما هو معروف ولكن شهيدنا قال: لا يعرف الشخص الذي بدأ بهذه السيرة.

وذم شهيدنا هذة السيرة ولعن مؤسسها، وقام بعد ذلك باعطاء الوكلاء نسبة الثلث.

وكان قد حرّم على الوكلاء أن يجمعوا غير وكالة مع وكالته وأعتبر الفاعل لذلك سارقاً إذ أن الأعلم أو من يقلده الوكيل واحد من المراجع واعطاء الحقوق إلى غيره سرقة وغير مبرء للذمة كما هو واقع.

فأدى هذا الأمر أيضاً إلى انسحاب عدد من الوكلاء السابقين على ما ذكرت.

كان الاخلاص والتدين والحصيلة الجيدة من العلوم الإسلامية الأساس في اعطاء الوكالة ومع كُلّ هذه كان الأهم في نظره الشجاعة وقوة القلب الذي جعله شرطاً أساسياً في امامة الجمعة أيضاً.

ولكنه اضطر احياناً من أجل المصلحة الإبقاء على البعض ممن يفقد بعض هذه لمقومات ولكن على أن لا يكون الشرط المفقود هو الاخلاص وعدم الانحراف يميناً ويساراً لذلك لم يبق احداً من اتباع المسلك التقليدي.

وقد قام بمحاكمة بعض الوكلاء الذين تصرّفوا بشكل غير لائق وسرقوا اموالاً من ناحية الحقوق وعنفهم وحدث هذا على ما أعلم به مع اثنين احدهما في بغداد والآخر في ناحية تابعة لبغداد أيضاً.

إذ قام الأول بأخذ مبلغ من الحقوق ولم يوصله إلى الأمام الصدر بل تصرف به ففسقه في بادئ الأمر ولكنه اعاد الاموال وأعلن التوبة.

والثاني قام بتزوير ختم الأمام الصدر واعطاء وصولات مزورة وهو الشيخ عبد الأمير الجابري ولكنه عاد أيضاً واعتذر وأعلن توبته والله العالم بالسرائر.

التدرج في المواجهة

كما ذكرت سابقاً ابتدأ شهيدنا بمفرده إلا بمن لا يعتد به في ذلك الوقت سواء على مستوى الجماهير أو الحوزة وعندما تصدى كان عليه أن يواجه اولاً وقبل الجميع الحوزة إذ ليس من السهولة التغاضي عن مثل هذا الخصم الشرس الذي تغلغلت جذوره في عمق التاريخ مئات السنين. وعليه أن يواجه الجماهير التي حملت عنه نتيجة الإعلام فكرة سيئةً، وعليه أن يواجه النظام

لذلك نسأل كيف تمّ استيعاب هذه الجبهات؟ مع وجود تضاد كبير بينها. فالجماهير عدوة للنظام، والحوزة عدوة للنظام، والحوزة تؤثّر في الجماهير إذ هي القائد الأول للجماهير. فاذاً دخل في نزاع مع الحوزة خسر الجماهير وعُدّ من اعوان النظام، ولم يكن في وضع يساعده على الدخول في مواجهة مع النظام

ولا أقول بأني سأستوعب المنهج الذي اختطه شهيدنا كما هو إلا اني وبحكم مشاهداتي وتحليلي الشخصي للأحداث والتصريحات التي سمعتها بنفسي أو ممن لا يشكّ في صدقه سوف ادلي بدلوي وما كان مخالفاً للواقع فاناً اتحمله ولا غير.

يقول شهيدنا أنّه لم يستطع أن يتحرّك إلا بعد أن اغمض الخوئي عينيه. وهو يشير بذلك إلى السلطة التي كان يتمتع بها الجهاز الحوزوي والإمكانيات الإعلامية والمالية ومن خلال ما ذكرته سابقاً أن شهيدنا عندما بدأ بطرح إشكالاته على الحوزة كمسألة صلاة السيستاني في مسجد الخضراء وغيرها كان يهدف إلى إسماع آذان الحوزة بأني موجود على الساحة ولم يطرح (رض) نفسه كمنافس بصورة مباشرة، وإنما أراد أن يثبت اولاً أنّه مؤهل علمياً أكثر حتّى من الخوئي فدخل في مناقشات علمية مع عدد ممن يحدث نفسه بالاجتهاد، أو مع من هو مجتهد فعلاً كما ذكرت آنفاً.

إضافة إلى طرح إشكالات على السلوك القائم وأثارة مظلومية الإسلام ونهب الحقوق والاموال من قبل المتنفذين القائمين على شؤون الحوزة. هذا كُلّه مع الحفاظ على الأسس الإسلامية والمبادئ التي كان يعتقدها أو ما يسمى باللغة الحديثة "استراتيجية" فهو يُظهر تذمره واستيائه من أشخاص معيّنين ويترك آخرين.

أما النوع الأول: فهم من الأشخاص الذين يبعد احتمال ارجاع أحدهم إلى جادة الحقّ، والتوبة على ما مضى كأولئك الذين دخلوا في مواجهة علنية مع السيد الشهيد محمّد باقر الصدر أو ساهم بشكل أو باخر في اجهاض حركته أما النوع الآخر وهم من الفضلاء الذين ليس لهم دور مهم على ساحة النجف وهناك أشخاص حاولوا التقرّب منه وهم مشبوهون فتركهم لمدة ثُمّ طردهم بصورة علنيّة. وكأن السرّ في ذلك أن النوع الأول من أعداء السيد الشهيد كانوا يعتبرون أنفسهم من ذوي السلطة المطلقة على الحوزة بل على الشيعة في العالم وأحياناً يصطدمون مع كثير من الجهات في حال تصادم المصالح اذكر على سبيل المثال محمّد تقي الخوئي الذي كان متكبراً ويرى نفسه فوق الجميع فلم يجامله شهيدنا طرفة عين بل كان يذكره بكل مساؤوه.

والنوع الثاني: لم يكونوا يعادون أية فئة بل هم يجارون الجميع فرأى أن هؤلاء يمكن إصلاحهم وتقوية قلوبهم لنصرة الحقّ. وهناك فئة كانت مستضعفة ولكنها تعرف الحقّ وأهله فناصرت شهيدنا حتّى هذا اليوم نذكر منهم - السيد مير حسن أبوطبيخ - وهذا السيد الجليل من طلبة الشهيد محمّد باقر الصدر وله موقف بطولي ذكره النعماني في محنته فراجع.

وقد وقف ابوطبيخ مع شهيدنا وكان يحدّث ببعض الحقائق الخطيرة منها أن هناك بعض المؤلفات سرقت من مؤلفيها أو أخدت قهراً ووضعت عليها اسماء لأشخاص متنفذين، ويذكر على سبيل المثال أن أحد العلماء (رحمه الله) قد كتب كتاباً في تفسير القرآن فعرضه على أحد الشخصيات المهمة لكي يبدي رأيه فيه فأخذه ذلك الشخص ووضع عليه اسمه، وآخر الّف كتاباً في علم الرجال فحدث له ما حدث للعالم السابق.

وشهيدنا كما ذكرت لم يدخل في تلك الفترة في مواجهة مع النظام لانه من غير المعقول أن يدخل هذه المواجهة وليس معه سوى ثلة مخلصة قليلة لا تتعدى اصابع الأطراف، لذلك بدأ شهيدنا بمسألة الاعلمية، وتحدى كُلّ الموجودين على ساحة النجف وتصدى للمناظرة فلم يتجرأ أحد إلا من جرب حظه فرده على اعقابه خاسراً.

ولما لم يكن أحد من المتصدّين الكبار يوافق على المناقشة العلمية قال شهيدنا: أحضروا بحثي وقارنوا فحضرت مجموعة معتد بها في بادئ الأمر وكان درسه في الأُصول محط الانظار، وكان الطلبة الحاضرون عنده يحضرون عند غيره، لذلك قام باقي المتصدين بخطة لا بأس بها من حيثُ الذكاء، وهي عدم إلقاء بحث في الأُصول نهائياً، لأنّهم لو القوا درساً في الأُصول لصاروا محطاً للمقارنة مع درس شهيدنا وبما أن شهيدناقد احتك بأهم مدارس النجف في الأُصول وهما مدرستا الشهيد الصدر والخوئي وهضم مطالبهما بصورة كاملة فأن الدخول في مناقشة اصوليه معه خاسرة لا محالة إذ أن الموجودين وأذكر اهمهم:

1- السيستاني.

2- الغروي.

3- البروجردي.

4- الفياض.

لم يدرسوا عند السيد الشهيد بل أن كلاً منهم يعتبر نفسه افهم وأعلم من أستاذه الشهيد!

وأما درس السيد محمّد سعيد الحكيم في الأُصول فلم يكن درساً معتداً بهم اصلاً لذلك قاطعه معظم الفضلاء لمعدومية الاستفادة منه.

وقد ركّز شهيدنا على مجموعة من الفضلاء من طلبته واهتم بهم وتحدى بهم ساحة النجف العلمية، وأغلبهم من الناشئين في الدراسة الحوزويّة أي غير المخضرمين منذُ بداية السبعينات حيثُ كانت النجف تحظى باهم علماء الفقه والأُصول ومع ذلك فقد برز هذا العدد اليسير وأصبح من اكفأ طلبة وأساتذة النجف وتدريسهم لمواد السطوح أصبح مشهوراً بحيث لو اردت أن تحضر درساً في الأصول أو الفقه لما اشير إلى غير هؤلاء. وفي الجانب الآخر فأن طلبة باقي العلماء لم يكونوا بالمستوى المطلوب أو بمستوى أولئك فمثلاً محمّد باقر السيستاني نجل علي السيستاني من أبرز طلبة أبيه ونال من الشهرة في النجف الشيء الكثير، ولكن كُلّ ذلك من دون دليل وعندما تصدى لتدريس السطوح والفلسفة الإسلامية ترك درسه معظم طلبته ممن كانوا يحضرون عنده وكنت ضمن من حضر درس اللمعة وبداية الحكمة فتركته بعد مدة يسيرة. وهناك من الافاضل المشهورين كالسيد رضي المرعشي وهو من طلبة الخوئي وله شهرة واسعة في النجف فكان يدرّس كفاية الأُصول فتركه معظم طلبته أيضاً، وإما طلبة السيد محمّد سعيد الحكيم فأبرزهم أولاده السيد محمّد حسين الحكيم وعزّ الدين الحكيم وعلاء الدين الحكيم فهؤلاء المساكين كانوا على مستوى لا يحسدون عليه، وقد كتبت مرة بحثاً في البداء واعطيته إلى عزّ الدين الحكيم وبعد المناقشة فيه تبين أنّه تورط في مالاً قبل له به إذ أن مستواه لا يتعدى مستوى بعض العوام. إذا لم نقل أن في العوام من هو افهم من هؤلاء.

وهنا أطرح مسألة غاية في الأهمية: ما سبب هذه الشهرة التي يتمتع بها هؤلاء؟ وما هي الابواق التي تنفخ لصالحهم؟ وتذكرني قرائتي لا حدّ مؤلفات الدكتور زكي نجيب محمود.. قال دعاني وزير المعارف المصري في وقته وقال نريد منك الحضور إلى مؤتمر لتمثل مصر فيه ولكن سوف تكون ثانوياً إلا وقت المناقشة لمواد المؤتمر الذي تحضره وإما الشخصية الرئيسية التي سوف تكون نائباً عنها فهي فلان.

فقلت سيادة الوزير إن فلان شخص مشهور ومعروف عند كافة الطبقات ولم أعرف إلى الآن السبب الحقيقي وراء شهرته فلم أعرف عنه أنّه مؤلف أو شاعر أو فيلسوف أو ممثل أو مطرب فاطرق الوزير قليلاً وقال حقاً لا أعلم.

وإنما اوردت هذا المقطع عن الدكتور زكي نجيب محمود لأطرح نفس سؤاله، ما هو السبب في شهرة أشخاص لم يعرف عنهم شيء يذكر؟ فاذاً سألت عن السيد محمّد الصدر قلت، هو أشهر من نار على علم فهو مؤلف كبير منذُ بداية نشؤه حتّى قال فيه السيد محمّد باقر الصدر ماقال مع أنّه لم يعرف عنه مجاملة في العلم لكائن من يكون وكذلك فأن شهيدنا القى البحث الخارج بحضور أستاذه وبارك له هذه الخطوة.

والآن أسأل وأنت معي.. ما هو سبب شهرة رضي المرعشي مثلاً.. أو محمّد باقر السيستاني وفلان وفلان بل هناك ما هو أخطر من ذلك فهناك شخصية مشهورة وتحتل منصباً عند الشيعة يعتبر من أخطر المناصب وقد اختفى هذا الشخص مدة سنوات ثُمّ بعد ذلك ظهر وكانت تلك المدة خلال الحرب العراقية الإيرانية فأين كان هذا الرجل؟ وماذا كان يفعل؟ يبقى هذا السؤال بلا جواب إلى الآن على الاقل.

وهنا تطرح مسألة مهمة وهي أن الشيعة تختار حسب الظاهر الأعلم من بين العلماء الموجودين، فهل أن هذا ما يحدث حقاً ولك أن تراجع تاريخ هذه المؤسسة لترى أن الكثير من العلماء الذين تعتمد آراءهم في الفقه والأُصول إلى الآن كانوا مركونين جانباً ويرتقي غيرهم ممن ليس بمستواهم بل من ليس له مستوى يذكر، ولا أريد هنا أن اطعن في الحوزة من حيثُ هي بل هناك عوامل سياسية أو قومية تدخلت في المسألة فهل ينكر أحد أن الدولة الصفوية كان لها دور أساسي في تحديد مرجع التقليد؟ ولعل اكمال هذا المطلب يخرجنا عن صلب البحث ويدخلنا في مورد نحن في غنى عنه الآن على الاقل، بل قد يكون ورطة كبيرة تكون عاقبتها كسيدي الشهيد!

أما مع الجماهير كان شهيدنا صاحب أكبر رصيد جماهيري بعد هذه المرحلة إذا أنّه المرجع الوحيد الذي خصص أكبر وقت للجماهير فهو يلتقي بالناس قرابة خمس ساعات فهو قبل صلاة الظهر حوالي الساعة العاشرة صباحاً أي قبل الصلاة بساعتين يجلس في مكتبه المتواضع لاستقبال الزوار، وبعد صلاة المغرب أكثر من ساعة، والمقابلات الخاصة قبل صلاة المغرب، وبعد ذهابه إلى البيت يصطحب معه جماعة ممن لديهم قضايا خاصة، وفي بادئ الأمر كان الزوار قليلين جداً بحيث يرى الداخل أن الموجودين في المكتب لا يتجاوزون العشرين وذلك غير موظفي المكتب، ولكن الأمر تطور لأسباب منها أنّه كان يقرّب الشباب الحوزوي إليه، ويشرح صدره لهم ويقضي حوائجهم قدر الإمكان وكان يدخل في محاورات مع الموجودين وإذا كانت هناك مسألة عامة يقول شهيدنا للسائل: - ما هو رأيك في الأمر وبهذا يجعل للسائل احتراماً لنفسه ورأيه وكان يتكلّم مع الآخرين من دون تكلّف وببساطة تامة ولا يستخدم العبارات المنمقة والمصطلحات المعقدة بل هو أحياناً يشرح الكثير من المسائل الابتلائية التي تظن الحوزة أنّها من الضروريات ولكنها لم تكلف نفسها عناء بيانها للناس، وهناك عامل أخطر واهم من كُلّ ماذكرت، وهو أن شهيدنا كان يتكلّم حسب ما تريده الأخلاق الإسلامية، وهو مع الله أينما كان، ويؤكد على عامل الأخلاق، ولم يكن كسواه يقول مالاً يفعل، بل هو قلباً وقالباً شيء واحد، فالمنهجية التي كان عليها الآخرون والتكلّف في الكلام، والتكبر على البسطاء والتملق للأغنياء شأن غيره. فمثلاً في أحد المكاتب جاء رجل من لبنان فرآه ابن ذلك العالم ودخل خلفه، وأشار إلى والده العالم المتصدي إشارة بيده أن هذا الرجل مهم فقم إليه فقام السيد العالم واحتضن الرجل، وهو لا يعرفه وبعد قليل أخرج الرجل حفنة من الدولارات ووضعها في يدّ هذا العالم.

وحادثة معاكسة تماماً حدثت مع شهيدنا وهي أن أحد الاغنياء وعد أحد الوكلاء بأنه سوف يعطي للأمام الصدر مبلغاً كبيراً نسبياً كُلّ شهر ومضى شهران أو ثلاثة فبعث إلى الأمام الصدر من يخبره: سيدناً ابعث لي احداً حتّى احاسبه وأعطيه المبلغ.

فاجابه السيد: قل له إن كان يريد بالمبلغ وجه الله فلا حاجة للحساب وإذا كان يريد بها وجه محمّد الصدر فقل له أنّه لا يريدها.

وهكذا رغم الحال المتعسرة التي اضطرته إلى تخفيض رواتب الطلبة مرات عديدة، هذا المشهد وغيره بالمئات كانت الجماهير تسمع وترى وتزداد عدداً وحباً لهذا الرجل، الذي يمثل آل محمّد (ص) بحق.

ومن ذلك حينما بلغه أن ابن عمه السيد حسين الصدر يدعو لتقليد السيستاني وانه لا بُدّ من أن يتعامل معه بصورة أخرى وذلك أن حسين الصدر كان يدعي الاجتهاد والى هذا الوقت فكان يدخل إلى مكتب السيستاني فيقوم له الجميع قيام المتذللين، ويصفه السيستاني بأنه حبيب قلبي، ويوصلونه إلى باب المكتب، ولم يسأله أحد عن دعواه في الاجتهاد، مع أن الرجل بالاجماع غير مؤهل لما هو أقل بكثير من الاجتهاد، أما عند محمّد الصدر فكان يدخل ويخرج كغيره، وقد سأله شهيدنا مرة عن أحد كتبه التي كتب عليها آية الله السيد حسين الصدر فقال: سيدناً أن الجماعة يريدون أن يروني كبيراً، فقال شهيدنا ما معناه: ليس الكبير إلا البعير فخرج ذليلاً ومع كُلّ ما فعله حسين الصدر ضدّ شهيدنا إلا أن الكاظمية بأهلها نبذته، إلا ثلة من اغنياء الكاظمية والتف الناس حول أمام جمعة الكاظمية مساندين ومؤيدين لشهيدنا، حتّى الذين كانوا مقربين من حسين الصدر.

وكان شهيدنا يهتم بأسئلة واستفتاءات الشباب فكان يجيب يومياً بعد صلاة الصبح على كمية كبيرة من الاستفتاءات بلغت الالاف بل يمكن القول بأن شهيدنا قد حطم الرقم القياسي في عدد الاستفتاءات التي اجاب عليها، فكانت هذه الاستفتاءات مرة حول مسائل شرعية، وأخرى فلسفية وأخرى أخلاقية وأخرى مشاكل عائلية، بل توجد من الأُمور ما هي خاصة جداً فتعرض عليه من قبل العوائل بيدّ أن صدر شهيدنا منفتحاً لها فكيف لا تحبه الجماهير وتتعلق به.

أما مع النظام فكان أكبر شخصية لا تتجرأ بالكلام معه، وكان يردهم بشجاعة غريبة لم تشهدها الناس والحوزة حتّى اعتبرت أحد المطاعن عليه، وذلك أنّهم يقولون كيف يواجه النظام بهذه الشجاعة مالم يكن متواطئاً معه؟! ومن تلك الأحداث طرده لمدير أمن النجف مرات عديدة وفي احداها دخل عليه فقال له: عندي قضية.

فأجابه شهيدنا: كن في الصف مع الناس فاذاً بلغ إليك الوقت اجبتك فخرج مغضباً.

وفي يوم كان هناك "الاستفتاء العام للنظام" وهو استفتاء شكلي كما هو معروف حول شخص رئيس النظام فكان التعطيل الرسمي فأغلق جميع العلماء مكاتبهم خشية من السلطة إلا مكتب شهيدنا إذ كان مفتوحاً لاستقبال الناس والسيد حاضر فيه.

وفي تلك الفترة كانت تصدر استفتاءات فيها مواجهة واضحة منها حرمة التعامل مع ازلام النظام وجواز الاستحواذ على اموال الدولة كما هو مسطور في الجزء الثالث من رسالته العملية "منهج الصالحين" وتطورت المواجهة في صلاة الجمعة وهو ما سوف اذكره في ذلك الموضوع والمواجهة التي حدثت حينما افتى بوجوب المسير إلى كربلاء المقدسة في شعبان.. ووجوب زيارة أمير المؤمنين (ع) في مولد الرسول (ص) وقد حدثت مصادمة في هذه الزيارة بين عدد من الجماهير وازلام النظام.. وعندما جاء الأمام الصدر إلى مكتبه في ذلك اليوم لم يستطع الوصول أليه رغم محاولة ذلك أكثر من مرة لازدحام الآلاف من الزوار في الشوارع المحيطة بمكتبه فقفل راجعاً إلى بيته وذلك أن الجماهير كانت تهتف بالصلوات مما حدا بمحافظ النجف "قائد العوادي" ومدير الأمن العام "طاهر جليل حبوش" إلى الدخول إلى شارع الرسول (ص) وشاهدتهم بنفسي في ذلك اليوم المهيب.

وبعد أن تطورت الحالة وخرج السيد جعفر الصدر إلى إيران أعلن الأمام الصدر أنّه هو الذي أمر السيد جعفر بالذهاب إلى إيران لافتتاح مكتب له هناك. جاءوا إلى شارع الرسول (ص) ومعهم عدد من المعتقلين ليمثلوا مسرحية: هي أنّه بعد استشهاد الشيخ الغروي، ومقتل البروجوردي، ومحاولة قتل الشيخ سالم مسؤول الرواتب في مكتب السيستاني، ومحاولة قتل محمّد رضاً السيستاني اعلنوا أنهم أُعتقلوا الجناة وكانت الخطة هي أن يعترف هؤلاء بالمسؤولية عن هذه الجرائم والصاقها بالسيد مصطفى الصدر (رض) بالاشتراك مع السيد جعفر الصدر وانهم حصلوا على الفتاوى بخصوص هذه العمليات من الأمام الصدر وبعد تمثيل مسرحية حدوث الجرائم في شارع الرسول (ص) ووصول الأمر إلى الأمام الصدر بادر إلى التصريح بلقاء مسجل على شريط تسجيل أن الهدف من هذه المسرحية الصاق هذه الجرائم بمحمّد الصدر، ولكن (يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

فاضطر النظام حينها إلى تغيير المسرحية وان الجناة فعلواً ذلك بدافع من أنفسهم كما هو معروف، واحتدم الأمر حينما افتى بالمسير إلى كربلاء في الزيارة الشعبانية فجاءه مدير أمن النجف فأخبر أن رئيس النظام يلزمه بالتراجع فطرده شهيدنا، فجاء بعد ذلك محافظ النجف العوادي فطرده كذلك، وفي أثناء الليل جاء مدير الأمن العام طاهر جليل حبوش التكريتي واقتحم بيت الأمام الصدر، وأخبره بأنه سوف تحدث مذبحة للشيعة أن هو لم يتراجع عن فتواه، وان رأس النظام قد أمر قوات الحرس بالنزول إلى الشوارع، عندها وفي اليوم التالي أصدر شهيدنا خطاباً مختصراً علّق على لوحة الإعلانات في المكتب، بأنه نتيجة للمنع الشديد والمؤكّد لهذه السنة والسنوات القادمة فامتنعوا هذه السنة عن المسير إلى كربلاء المقدسة تقية. وفي يومها كان أحد ضباط الأمن الكبار موجوداً في المكتب وقال هكذا إذن، فمزّق الورقة وخرج مغضباً من المكتب.

وقبل هذه الأحداث وفي أيام أقامة صلاة الجمعة أمر شهيدنا ابن عمه السيد جعفر الصدر بالصلاة في مسجد الكوفة في أيام الأُسبوع غير الجمعة، فتوجه السيد جعفر الصدر إلى المسجد وكان يصلّي فيه السيد عبد الأمير الحكيم، عندها تمّ الاتصال بأجهزة النظام الأمنية فمنعوا السيد جعفر من أقامة الصلاة، ولا شكّ أن احتضان السيد جعفر من قبل شهيدنا أحد أهم الضربات التي وجهها إلى النظام، وهذا الفعل يدل بحد ذاته على أن شهيدنا يواصل مسيرة أستاذه الشهيد بل يمكن القول أن السيد محمّد الصدر استفاد من أخطاء المرحلة السابقة ودخل في إطار جديد فمواجهة السيد الشهيد للنظام كانت صريحة وكان انصاره أغلبهم من الشباب والتف حوله عدد من علماء النجف وطلبته ويكفي أن نذكر منهم السيد كاظم الحائري والسيد محمود الشاهرودي والشيخ علي الكوراني والشيخ الآصفي والشيخ الايرواني والسيد محمّد باقر الحكيم وهكذا العديد من الاسماء اللامعة، ولكن ما حدث أن التلاحم مع الجماهير لم يكن بالصورة المطلوبة وذلك أن حبّ الدنيا كان مسيطراً على الكثير، لذلك لم يوفق أحد منهم إلى حبّ الجماهير ويكفي ما ذكره النعماني في محنته أن السيد الشهيد بقى وحيداً في أيامه الأخيرة وخذله كُلّ طلبته وفرواً الواحد تلو الآخر وعندما شدد النظام من حصاره، قامت مجموعة من العوام بل ممن تعتبرهم الحوزة من حثالة الخلق، بالهجوم على الأمن وقتلوا عدداً منهم يقول النعماني أن السيد الشهيد ندم على كُلّ يوم قضاه في تربية طلبته وانه لو ابقاه الله على قيد الحياة لاحتضن اولئك الذين كما قلنا من السوقة.

قال (قُدس): إنه لو قدر للسلطة أن ترفع الحجز عنّي من دون قيد أو شرط وأعود إلى حياتي ووضعي الطبيعي فسوف اعتمد في العمل على أمثال "هؤلاء" إن هؤلاء ضحّوا لله تعالى بدمائهم من أجل الإسلام والقيادة الإسلامية وسأبذل معظم الحقوق الشرعية على تربيتهم أن الإسلام اليوم بحاجة إلى المضحين الفدائيين أن واحداً من هؤلاء يستطيع بعمل تضحوي ما أن يغير وضعاً قائماً كان يبدو من المستحيل تغييره، ولا يستعد أن يفعل بعض ذلك من بذلنا الكثير من اجله ().

واضح هو التعبير الحزين للسيد الشهيد وندمه على ما قضاه من جهود من أجل الفضلاء الذين فرواً من نصرته بينما نرى السيد محمّد الصدر لا يعتني بالافاضل والحوزويين وأبناء الاسر العلمية كما كان يهتم بأبناء الشعب لذلك جاء بهم وجعلهم من طلبة الحوزة ورباهم على خصال من أهمها:

1- الاخلاص المطلق لله.

2- قوة القلب.

3- حفظ الشريعة.

فكان ما كان وأصبح اولئك الذين تسميهم الحوزة الهمج الرعاع سيوفاً والسنة حداداً وقلوباً شداداً وأصبح منهم الأساتذة والخطباء وائمة الجمعة وموظفوا المكتب في النجف، ومسؤولوا المكاتب في المحافظات، وقضاة شرعيون. لذلك انتقلت المواجهة مع النظام من النجف إلى كافة المحافظات، ودخل الإسلام بحقيقته إلى كُلّ بيت، وأصبح اسم الصدر مناراً وتقليده فخراً يعتزّ به صاحبه، وأصبح تمثيل وتقليد غيره دلالة على الجبن والخذلان، والعجيب ولا عجب في قدرة الله أن كُلّ ذلك حدث في وقت قياسي لا يمكن حسابه بالمنطق أو بحساب الاحتمالات فالمواجهة في الشارع وفي الدوائر الرسمية وفي السيارات بل حتّى في قصر النظام حيثُ اعلن التوبة عدد من موظفي القصر بشكل خفي، أما ضباط الجيش فقد كان شهيدنا يلتقي بالعشرات منهم، وانقل هذه الأحداث فعندما طلب النظام مواليد تمّ تسريحها من الجيش للتدريب لمدة شهر واحد وكان من ضمن هؤلاء العشرات من طلبة الإمام الصدر، فكان معظم أمراء المعسكرات يأمرون الجميع بالجلوس والاستماع إلى محاضرة يلقيها الطلبة الموجودون ويجيبون بعد ذلك على الاستفتاءات وهكذا إلى انتهاء الدوام عند الظهر والظريف في الأمر أن الطلبة كانوا يحضرون إلى هذه المعسكرات بالزي الحوزوي ولا يطلب منهم حلاقة اللحية إلا في حالات نادرة من قبل المتشددين من أمراء الجيش في الولاء للنظام الكافر، ولذلك فقد جن جنون النظام والحوزة، فالحوزة صارت بحالة هستيرية وأصبح التخبط وعدم الحكمة في الأقوال والأفعال، فكان البعض كمحمّد سعيد الحكيم يسب شهيدنا ويشتمه بشكل مخزي وتطور الأمر إلى أن عدداً من المكاتب أصبح يوزّع الاموال على الناس في بعض المحافظات، بشرط العدول عن تقليد محمّد الصدر، واتخذ البعض الآخر طريقة الإعلام الكاذب، وذلك بأن قاموا بتوزيع وطبع نشرات تهاجم شهيدنا بشكل غير مستقيم ولو من ناحية الشكل فمرة تمّ إصدار نشرة بعنوان "دفاعاً عن بيضة الإسلام" وفيها هجوم على شهيدنا بأنه يدعو الناس إلى التقاعس، ومنشور آخر بعنوان "الاستكبار العالمي يعلب بورقة المرجعية" وفيه اتهام الشهيد بالعمالة، وانه بيدّ الاستكبار العالمي، وآخر بعنوان أن السيد محمّد الصدر قاتل علماء الحوزة، وهكذا غيرها، وقد فقدت الحوزة التقليدية توازنها بشكل مضحك إذ تعاون الكثير منهم مع النظام للقضاء على حركة الأمام الصدر وهذا ما حدث في محافظات عديدة وسوف أذكر الاسماء في فصل قادم أن شاء الله تعالى.

 

أما النظام الكافر فقد تخبط أيضاً فمرة يدعو الناس إلى تجمعات قهرية ويتوعد من يحضر إلى الصلاة بالاعتقال أو قطع "الحصّة الغذائية" وقد حدثت مشادات كلامية بين الناس وأعضاء الحزب ورفض الكثير هذا الأمر وكان آخرون يجيبون بسخرية واضحة.

ومرة يدعوهم في المدارس وأخرى في الشعب الحزبية وأخرى في الأماكن العامة، ويخبرون الناس بأن محمّد الصدر عميل لإسرائيل، وعندما لم تفلح هذه المحاولة قام النظام باجبار الناس على كتابة تعهد بعدم حضور صلاة الجمعة.

وعندما فشلت هذه المحاولة أيضاً قام النظام بأعتقال الآلاف وتعذيبهم لمدة أيام واطلاقً سراحهم، ليرى النتيجة فعاد الناس من المعتقلات إلى مساجد أقامة صلاة الجمعة مباشرة، وينقل عن الكثير من أعضاء الحزب الكافر والأجهزة الأمنية أن البعض منهم كان من أعضاء الشعب أو الفروع يجن جنونهم لردود أفعال الناس، فمتى أصبحت الجماهير لا تخاف ولا تهاب الحزب، وكان أحدهم يقف ذاهلاً مما يرى من عدم استجابة الناس للتهديدات المتواصلة، وقام النظام بعد ذلك باعتقال عدد من ائمة الجمعة، والمنع من خروج المصلين إلى الشوارع بعد أن اكتظت بهم المساجد، فحدثت مواجهات نتيجة لذلك، وفي كُلّ الاحول كانت السلطات الغاشمة تنسحب في الأخير بعد فشل محاولاتها كما سوف اذكر في فصل الجمعة.

وقبل هذه المرحلة عندما رأت السلطة أن الأمام الصدر بدأ يصرّح وأصبح يتقدم خلاف كُلّ التوقعات بادرت إلى منع طباعة كتبه فاضطر السيد إلى طباعة الكتب في أماكن سرية ولكنها طباعة سيئة، وقد صادرت في إحدى المرات حوالي خمسة آلاف نسخة من غلاف كتاب "منة المنان".

كما شنت صحف النظام حملة إعلامية ضدّ شهيدنا محاولة تسقيط حركته جماهيرياً ومن ذلك ما كتبته إحدى الصحف حول "التدخين في شهر رمضان" إذا أن شهيدنا يعتبر التدخين غير مفطر ويجوّزه مع الضرورة فذكرت هذه الصحف أن علماء الإسلام يعتبرون التدخين مفطراً وان هذه الدعوى دخيلة على الإسلام والأهداف التي تبتغي من وراءها ادخال الشبهات على الإسلام.

ومن هذه الحملات ما قام به الدكتور أحمد الكبيسي بإشارة من النظام وهذا الرجل حاقد على مذهب آل محمّد (عليهم السلام) كما هو معروف عنه في العراق فكان يقوم بتجميع طلبة المعاهد والكليات ويلقي محاضرات إسلامية الشكل ويشكك فيها بعقائد الامامية ويلقي الشبهات، بل هو كان يدعو إلى عدم أهمية الحجاب بالنسبة للمرأه وكان يؤكد على مسألة التدخين في شهر رمضان ويهاجم بعض فتاوى السيد كصلاة الجمعة فتصدى له شباب الصدر من الطلبة الواعين، وناقشوه في كُلّ مرّة يحاول الانتقاص من شهيدنا ومذهبنا، فكانت تحصل ضجة واعتراضات وتعلو الأصوات، فكان يضطر إلى قطع محاضراته

وا لهرب وسط حماية أمنية مشددة.

وبعد أن ألقى الأمام الصدر خطبته رقم 16 الموافقة ليوم "6 من شهر ربيع الآخر" 1419 التي ذكر فيها سدنة المراقد المشرفة وذكر مساوئهم وفي نفس اليوم عند صلاة المغرب حيثُ كان السيد يصلّي في الصحن الشريف، قامت قوات الحرس الخاص والطورئ والأمن والحزب العفلقي بتطويق الحرم العلوي وعندما رأى الناس ذلك توجهوا ليزيدوا من عدد المصلّين خلف الأمام الصدر بشكل ملفت للنظر، وقبل مجئ السيد إلى الحرم جاء محافظ النجف قائد العوادي ودخل إلى الديوان الذي كان مسؤول السدنة "حيدر الكلدار" وأعوانه يتجمعون فيه وطوقت حمايته المصلّين وكان هذا الديوان في مقابله مصلّى الأمام الصدر ويقع بابه على مصلاه فجاء السيد وجلس في المصلّى وحدثني أحد خواص الأمام الصدر وكان واقف بين الديوان والأمام الصدر، قال: فقلت للأمام الصدر: سيّدنا هؤلاء يريدون استفزاز المصلّين وقد يخرج المحافظ أثناء الصلاة فيكون مروره من أمام سجادتك بل لا بُدّ أن يطأ بقدميه السجادة، فهل توافق على أن اقف واحول بينهم وبين هذا الفعل، فقال: بيك حيل تمنعهم "هل تستطيع منعهم".

فقلت: أن شاء الله. وبعد أن دخل السيد في الصلاة خرج المحافظ ومدير امن النجف وجلاوزتهم يريدون المرور من امامه، فوقفت امامهم وقلت للمحافظ: الوضع متأزم والسيد يصلّي وقد تحدث مشكلة فأرجو أن لا تمرّ من هذا المكان.

فقال: نعم.

ورجعوا إلى الديوان وأكمل السيد صلاته وخرج، فمنع السدنة ادخال الفرش التي كان يصلّي عليها المصلّون فحملناها إلى جامع الرأس، وفي اليوم التالي قطعوا الكهرباء عن مكتب الأمام الصدر، وكادت تحدث مصادمة عند صلاة المغرب، وكان الشباب الذين يصلّون خلف السيد متوترين ومتأهبين لأية مصادمة، وعلت الأصوات بالصلوات.

وفي اليوم الثالث جاء مدير أمن النجف وقال: سيّدنا نحن نعتذر وهذا الأمر ليس من عندنا بل تصرف شخصي من السدنة ولكن القيادة تعتبر اهانة السدنة اهانة للقيادة من حيثُ أنّها اهانة لوزارة الاوقاف فالواجب عليكم أن تعتذروا عن اهانة السدنة.

فقال السيد: سوف يصلكم الخبر.

وفي الجمعة التالية مباشرة قال السيد في خطبته رقم 17 في 13 ربيع الآخر - 1419 أنا في الجمعة السابقة ذكرت فئتين أو طبقتين في المجتمع وانتقدتهم بشدة والانتقادات صحيحة لا أتنازل عنها "وما خفي عليك أكثر" كما أنني اتكلم هنا من زاوية قوة لانني لا أطمع بهم ولا بأحدهم ولا اخاف منهم.

وعن أحد خواص الأمام الصدر: وفي الخطبة السادسة بتاريخ 25 محرم 1419 حين أفتى بوجوب الذهاب مشياً على الاقدام إلى كربلاء عند حلول اربعينية الأمام الحسين (ع) جاء إليه مدير أمن النجف قبل الجمعة السابعة بيوم "يوم الخميس" فأخبرني (رض) قائلاً: جاءني مدير أمن النجف بصيغة تهديد وقال: السيد الرئيس يقول المشي ممنوع ومادام الصدر هو الذي افتى فعليه أن يمنع ويسحب فتواه ولا يحيل الأمر علينا ولا ينيط المسؤولية إلى سواه وإذا صار المشي فالعواقب وخيمة، ولكني سوف ارد عليهم بطريقتي الخاصة.

وفي اليوم التالي وفي خطبة الجمعة بتاريخ 2 صفر 1419هـ قال (رض) - تعرضنا في الجمعة السابقة إلى قضية السير راجلين إلى كربلاء المقدسة وأنا حسب فهمي وعلمي أن المنع حصل وأنا قلت لكم إنّكم إذا منعتم فامتنعوا انتم أن شاء الله تكونون على مستوى المسؤولية الدينية تجاه الله وتجاه الحوزة

.. إلخ.

وبعد امره (رض) الجماهير بالسير راجلين إلى كربلاء المقدسة في شهر شعبان 1419 حدثت مواجهات بينه وبين النظام من جهة وبين الجماهير والنظام من جهة أخرى وبعدها أصدر (رض) بياناً إلى خارج العراق بواسطة أحد وكلائه ذكر فيه أهم الأحداث التي اعقبت أمره ونصّ البيان ما يلي:

إحداث شعبان الأخيرة في العراق:

1- في يوم الجمعة بتاريخ 23 رجب أمر السيد الصدر المؤمنين بالتوجه إلى كربلاء مشياً على الاقدام بمناسبة ولادة الأمام المهدي (ع) بعد أن بيّن أن المنع إنَّما كان من الدولة العراقية بخصوص زيارة الأربعين دون غيرها.

2- اتصل محافظ النجف بالسيد الصدر بعد انتشار الأمر بالزيارة الشعبانية وطلب من السيد التراجع عن هذا الأمر في هذا الموسم وفي المواسم الأخرى، لكن السيد اجابه بوضوح: "أنا أمرت وانتهى الأمر".

3- بعد فشل الاتصال الأول، اتصل مدير امن النجف بالسيد الصدر وأبلغه منع الدولة ورفضها لفتوى زيارة الأمام الحسين (ع) وطالب بأن يتراجع السيد عن هذا الأمر، فكرر السيد الجواب السابق مؤكداً أن الأمر انتشر ولا أستطيع الرجوع.

4- زيارة (طاهر جليل حبوش) مدير الأمن العامة وبشكل مفاجئ مدينة النجف الأشرف عقيب اجتماع القيادة العراقية، ليزور السيد برفقة العناصر المسلحة ليعلمه بامتعاض بتصميم القيادة العراقية على منع الزيارة الشعبانية وقال مهدداً (أن خرجت الناس إلى الزيارة مشياً فسوف تذهب الرؤوس وتُراق الدماء وتتحمل أنت وحدك ماسوف يحصل).

5- أصدر مكتب السيد الصدر في النجف نتيجة لسلسلة الضغوطات المتواصلة وحقناً للدماء بياناً جاء فيه: "بُلّغنا من الجهات العليا في الدولة بالمنع الشديد والأكيد عن المشي إلى كربلاء المقدسة في هذا الموسم وكُلّ موسم ومن هنا وجب العمل بالتقية وترك المسير".

6- تجمّع الآلاف من أهالي مدينة الثورة أمام مسجد المحسن (ع) في نفس المدينة تهيئاً للانطلاق في مسيرة المشي إلى كربلاء، ولم تتمكن السلطات من تفريق هذا التجمّع رغم محاولاتها المتكررة، ولكن ما أن وصل بيان السيد الصدر وتُلي على المتجمعين حتّى تفرّقوا، وتوجهوا إلى زيارة النجف لمؤازرة السيد الصدر هناك وقد اثار هذا الموقف حفيظة بعض المسؤولين في النظام حيثُ قال:

(إنّنا لم نستطع بكل ما فعلناً تفريق هذا التجمّع وتمكن محمّد الصدر من ذلك من خلال ورقة صغيرة إذن خرج الأمر من ايدينا وأصبح محمّد الصدر يفعل ما يشاء).

7= اجتمع (لطيف نصيف جاسم) بشيوخ العشائر من مدينة الثورة وطلب منهم الامتناع عن التوجه إلى كربلاء أو النجف أو حضور الجمعة هناك قائلاً لهم وبلغة التهديد:

(لقد أُعذر من أنذر)، فرّده بعض الشيوخ واعترض عليه آخرون وتجاهلت الناس هذا التهديد بما فيهم شيوخ العشائر وتوجهوا صوب النجف الأشرف.

8- وصول إعداد متزايدة من الزوار إلى النجف الأشرف ومن كُلّ أنحاء العراق وهم يرددون شعارات الوفاء والطاعة للسيد الصدر، رغم انتشار قوات الحرس الخاص وعناصر منافقي خلق على شكل مفارز ونقاط تفتيش في المناطق المحيطة بالنجف وكربلاء.

9- تواجد مجموعات عسكرية مسلّحة وبشكل ملحوظ بالقرب من مكتب وبيت السيد الصدر في منطقة "الحنانة".

10- توجه السيد الصدر إلى الضريح المقدس للأمام علي (ع) ليلة 14 شعبان (الخميس) لأقامة صلاتي المغرب والعشاء، وكانت الصلاة استثنائية من خلال الحضور الكبير الذي بلغ عدة آلاف وامتدت صفوف المأمومين إلى الشوارع الملاصقة للحضرة المقدسة.

11- اصطدام أجهزة النظام ببعض الشباب المؤمنين الذين كانوا يردوون الاهازيج الإسلامية التي تحيي السيد الصدر، وقد تمّ اعتقال العشرات منهم بعد أن استشهد وجرح البعض منهم.

12- اجتماع ممثلي السلطة بائمة الجمع في بغداد وغيرها وإبلاغهم بأن يدعوا لصدام، رغم تحريم السيد الصدر الدعاء لغير المعصومين في الخطبة، وقد امتنع جميع ائمة الجمع عن قرار السلطة.

13- إبلاغ ائمة الجمع بمنع انتشار المصلّين خارج المسجد وقد شجب السيد الصدر هذا المنع في خطبة 21 شعبان المرقمة. 35

14- تصدي السلطة لتشويه السيد الصدر ووصفه بأنه خائن وعميل لإسرائيل وإيران، لأنه يستغل منبر صلاة الجمعة لخدمة الاستعمار (بحسب تعبيرهم).

15- ركّز السيد محمّد الصدر في خطبتي صلاة الجمعة 21 شعبان المرقمة بـ (35) على تحليل موقف النظام من منع الزيارة الشعبانية من خلال سرد نقاط هامة جداً وحساسة للغاية، بعد أن طلب السيد من الحاضرين ترديد اهازيج:

"نعم نعم للإسلام، نعم نعم للمذهب".

16- اقيمت صلاة الجمعة بتاريخ 28 شعبان رغم ظروف الضربة الجوية وتكررت نفس الاهازيج الإسلامية.

29 شعبان 1419

 

الجمعة وأئمة الجمعة

 

 

تعتبر حركة الجمعة أهم حركة في مسيرة مرجعيّة الإمام الصدر بل أهم حركة في تاريخ العراق بل في تاريخ الشيعة وذلك لعدة عوامل أو أسباب:

اولاً: لم يتجرأ عالم من علماء الشيعة على مرور التاريخ أن يفتي بوجوبها أو يعتني بها ويرى اهميتها إلا بشكل غير معتد به كما قام به الشيخ الخالصي حيثُ صلّى الجمعة في أماكن عديدة ومنها الكوفة ولكن لم تكن على مستوى عموم العراق، وقد لاقى الشيخ الخالصي ألواناً من المعارضة بسبب آراءه، وكذلك فأن أقامته للجمعة لم تكن من الشهرة والاستجابة من الجماهير على ما رأيناه في عهد شهيدنا، وإن كانت خطوة الخالصي خطوة جريئة في وقتها، ولكن مفعو لها انتهى بعد وقت بخلاف ماهي عليه في وقت شهيدنا وبعد شهادته واثرها الكبير في الجماهير وصداها الدولي.

ثانياً: تجمّع الجماهير بأعداد خيالية حتّى رأى البعض أن الأرقام التي كانت تحدد لعدد الحضور في عدد من الجمعات مبالغ فيها، ولكن بمراجعة بعض الصور الفوتغرافية وأفلام الفيديو تشاهد الأعداد الغفيرة، بحيث أن صلاة الجمعة في مدينة الثورة كانت تصل في بعض الأحيان إلى خمسمائة ألف مصلّي والصلاة المليونية التي أقامها شهيدنا بمناسبة الذكرى السنوية لأقامة الجمعة خير شاهد على ما أقول.

ثالثاً: أن معظم الحضور من الشباب ولم تكن نسبة الشيبة تتعدى نسبة اثنان بالمئة وهذا هو حال مقلّدي الإمام الصدر إذ أن حركته المباركة كانت تستقطب الشباب.

ولا حاجة لذكر دور الشباب في تغيير معالم المجتمع بل والتاريخ وهذا ما حدث في عراق آل محمّد (عليهم السلام).

رابعاً: اختيار ائمة الجمعة من الشباب في الأعم الأغلب، وشباب الصدر قد كانوا على قدر المسؤولية بحق على الرغم من المستويات العلمية المتفاوتة، ولم تكن الجمع بحاجة في ذلك الوقت إلى فضلاء الحوزة بقدر ما تحتاج إلى الشباب الناشئ وذلك لما للشباب من الجرأة والتأثير في القواعد الجماهيرية التي هي أيضاً من الشباب.

خامساً: طابع الحماسة والثورية في معظم خطب الجمعة، وكذلك ما كان يبديه ائمة الجمعة من شجاعة كبيرة "لا توجد عند شيوخ الحوزة" وقد حدثت إحداث مهمة سوف اذكر منها ما تسعفني الذاكرة في ذكره في حينه.

وكان لقوة القلب هذه دور رئيسي في غرس الشجاعة في نفوس الشعب أو قل إبراز هذه الشجاعة إذ أن الشعب العراقيّ معروف بشجاعته عبر التاريخ ولكنه كان يحتاج إلى من يمدّ له يدّ العون، وكذلك فأن الشعب شجاع مادام قائده شجاعاً. والعكس بالعكس طبعاً.

سادساً: تثقيف الجماهير بالثقافة الإسلامية التي كانت تغذيها خطب الجمعة، والتي كانت في وقت ما مركزية كما سوف اذكر، ومع مرور الزمن أصبح الشعب العراقيّ اثقف الشعوب الإسلامية، في العقائد والفقه والتاريخ وغير هذه العلوم، ولا ينافسه شعب في ذلك اطلاقاً في الوقت الحالي على الأقل.

سابعاً: إبراز النساء إلى ساحة المنازلة بعد أن كنّ يقبعن في الجهل حيثُ اكدّ شهيدنا على ضرورة حضور النساء إلى صلاة الجمعة فكانت الإعداد تتزايد باستمرار مما أدّى إلى تثقيف أهم طبقات المجتمع إذ في أكثر المناطق كان ائمة الجمع يلقون دروساً أما قبل أو بعد الصلاة وقد حضت النساء بحصة من هذه الدورس، وقد تنامت ظاهرة الحجاب بحيث أن المرأة السافرة كالنقطة السوداء في الثوب الأبيض، وهذه المخالفة لا توجد حالياً إلا في بعض الأماكن في بغداد وبشكل ليس بالكثير فحتى في أماكن عرفت بوجود أماكن مبتذلة ومسارح وصالات للعرض السينمائي، توجد نسبة أعلى من المحجبات بين النساء بحيث كما قلت أن المرأة السافرة صارت هي الملفتة للنظر وليس المحجبة كما هو في العقود السابقة ومقتصر ذلك على أماكن قليلة كما ذكرت كبعض المناطق في المنصور والكرادة.

ثامناً: كانت الجماهير بعد انتهاء كُلّ صلاة جمعة تبقى في شوق عارم للجمعة الآتية وكانوا يحضرون إلى المسجد الذي تقام به قبل وقت طويل لكي يستطيعوا أن يحصّلوا على مكان قريب من أمام الجمعة قدر الإمكان.

تاسعاً: الهتافات التي كان يرددها الحضور مع أمام الجمعة والتي كانت تبعث الحماس والثورية مرّة، وأخرى الخشوع والتذلل لجبار السموات والارض، والمشاركة في الدعاء بصوت واحد أرهب النظام حتّى صار يؤكد على منع الهتافات.

عاشراً: المطالبة من على المنابر بحقوق الشعب واطلاقً سراح المعتقلين من المؤمنين، والتنديد بمنع بعض المدن من أقامة الصلاة.

أحد عشر: حضور إعداد غفيرة من الأطفال من السن السادسة فما هو أكبر حتّى انك تجد العشرات من الأطفال ممن يحفظ الكثير من الأحكام الشرعية وعلى مستوى بحيث أنّهم يقولون هذا حرام وهذا واجب في حال وجود مخالفة أو ما يستدعي الوجوب.

اثنى عشر: توحيد الصلاة في مرات عديدة مع أبناء السنة وهذا ما حدث في أكثر من محافظة وقد تفاعل أبناء السنة مع أخوانهم من الشيعة بشكل كبير ومؤثر، وفي أكثر من جمعة كان الخطيب السني يخطب والشيعي يصلي. ومن أهم الأماكن التي حدث فيها التوحد في مسجد "أبي حنيفة" ومرقده في الأعظمية.

ويمكن ذكر نقاط وفوائد عديدة للجمعة لا مجال لحصرها في هذه العُجالة وفي هذا المختصر.

المهم أنّه في تاريخ 23 جمادى الآخرة 1418هـ افتى سماحة الأمام الشهيد بوجوب أقامة صلاة الجمعة وذلك بعد أن أشار إلى كافة وكلاءه بنشر أهمية صلاة الجمعة بين الجماهير، وان أبناء العامة يقيمونها فلماذا لا نقيمها، وبعد ذلك راجعه بعض الطلبة فنفى بشدة أنّه ينوي أقامتها واقتصر على عدد من الخواص في بادئ الأمر.

وبعد أقامة أول صلاة جمعة في العراق جاء مدير امن النجف إلى مكتب الأمام الصدر مستوضحاً عن الصلاة ودوافعها فبيّن له الأمام الصدر أنّه لا دوافع وراءها وانها مجرّد فريضة معطّلة واننا نريد أقامتها كما يقيمها أبناء السنة.

وبعد ذلك اوعز (رض) إلى وكلاءه وائمة الجمعة عدم نشر أهمية صلاة الجمعة وذلك بعد أول صلاة جمعة أقيمت بشكل يلفت نظر النظام حتّى تثبت فلم يجد النظام مسوغاً لمنعها.

 

مشاهد من صلاة الجمعة

 

وفي أول جمعة كانت المشاهد التي كنت اراها واسمع تأثيرها مؤثرة جداً فمن النادر أن تجدّ بين الحشود التي تجمعت بعشرات الآلاف احداً إلا وهو باكي العين أو دامع من الفرح بهذا النصر إلا لهي وكنت أرى أن الشوارع قد نظفت وفرشت، وهناك إعداد من الشباب تعلو أصواتهم بالصلوات وهناك عدد آخر يستقبل المصلّين بالصلوات، وكانت المنازل القريبة من المسجد قد وضعت الكثير من الأواني لمياه الشرب وآخرون قد مدّوا الأنابيب البلاستيكية إلى خارج البيت لكي يتوضأ من يريد الوضوء.

وقد ازدحمت الشوارع بمختلف انواع السيارات التي كانت قد امتلئت بالشباب وهم ذاهبون إلى صلاة الجمعة حتّى سيارات الحمل الكبيرة إذ أن الحافلات المخصصة لنقل الركاب لم تكن تستطيع استيعاب الجماهير الغفيرة، وهناك إعداد كبيرة أيضاً ذهبت مشياً على الاقدام وقطعت كيلو مترات عديدة، وكان من بين هؤلاء العديد من الذين لا يستيطعون الخروج من مناز لهم بسبب طلب أجهزة النظام لهم لهروبهم من خدمة النظام في الجيش ولكنهم خرجوا لأقامة صلاة الجمعة.

ومع افتتاح المؤذن بايات من القرآن الكريم وخصوصاً سورة الجمعة علت الأصوات بالبكاء والدعاء، وعند الاذان كان ملاحظاً حشرجة صوت المؤذن لانه قد اختنق بعبرته، وكانت الجموع تنتظر لحظة فأخرى أن يعلو الخطيب المنبر بانتظار أول كلمة حقّ منذُ شهادة أمير المؤمنين (ع) والى هذا اليوم، وما أن اعتلا الخطيب المنبر حتّى عادت الجماهير إلى بكاءها وتضرعها.

وكنت من بين الجموع لا أُصدّق ما تراه عيناي، هل حقاً أقيمت الجمعة؟.

هل حقاً علاً صوت الشيعة بعد سكوت طويل؟.

وشرع الخطيب بخطبته بعد الحمد والثناء والقى كلمة للأمام زين العابدين (ع) وبعد انتهاء الصلاة صافح المصلّون بعضهم بعضاً وتعانق آخرون والفرحة مشرقة من اعينهم وعلى شفاههم.

بعد أقامة أول جمعة استدعت أجهزة النظام ائمة الجمعة أو بعضهم وكان الموقف حرجاً إذ أن هذا الحدث هو أول مواجهة بين النظام والجماهير وائمة الجمعة وكانت أجهزة النظام الأمنية والحزبية في حالة استنفار ولكنهم لم يجرأوا على مضايقة أحد منهم لأنهم لا يعرفون إلى الآن ما هو الحدث الذي سوف يعقب الصلاة وبعد تفرق المصلّين عادوا إلى ثكناتهم ينتظرون الاوامر وكان التحقيق مع ائمة الجمعة حول بعض الأسئلة الروتينية، وقد سألوهم عن الدعاء للنظام وراسه فلم يكن الجواب حاضراً عند ائمة الجمعة في تلك الحال، وكان الأمام الصدر قد منع بشكل قطعي ذكر النظام.

وبعد ذلك أصدر السيد فتواه بتحريم الدعاء لغير المعصوم في صلاة الجمعة حتّى لمحمّد الصدر لكي لا يبقي للنظام عذراً.

الجمعة في بغداد

اقيمت صلاة الجمعة في بغداد في مناطق عديدة منها:

1- الثورة: وهي اكبرها واهمها.

2- الكاظمية.

3- الأمين.

4- الشعلة.

5- البياع.

6- المعامل.

7- الزعفرانية.

8- الشعب.

9- العبيدي.

10- المحمودية.

11- الراشدية. أقيمت فيها ولكن منعت من قبل النظام.

12- قرية الذهب الأبيض.

وقد منعت في هذه المنطقة لأنّها تعتبر من المناطق الغنية حيثُ أن سكانها من أصحاب المواشي وكان لحسين الصدر فيها علاقات ومطامع فحال دون أقامة الصلاة فيها.

وكانت أهم المناطق التي اقيمت فيها الصلاة في العراق بعد صلاة الكوفة بأمامة الأمام الصدر، هي صلاة مدينة الثورة حيثُ تسكن غالبية الشيعة في العراق، وقد كانت هذه المدينة ولسنوات طوال محور التركيز من قبل النظام بعد إحداث السبعينات حيثُ كانت هذه المدينة السند القوي للسيد الشهيد محمّد باقر الصدر (قُدس) ومنها خرجت انتفاضات وتظاهرات عديدة وقدمت من الشهداء ما لا يسمح المجال لذكرهم.

وفي الثمانينات شوهت صورة هذه المدينة بالمرة، وأصبح الطابع العام لها هو التفسخ والاتجاه نحو الملذات الشخصية، وأغلب المشاكل في بغداد كانت فيها، ولم يكن التوجه نحو الدين بنسبة معتدّ بها، وفي انتفاضة شهر شعبان خرجت جماهير الثورة بانتفاضة عارمة ولكنها اخمدت نتيجة وحشية النظام وخذلان الغير الذين وقفواً يتفرجون على معاناة الثورة كما تفرجوا على معاناة باقي ارجاء العراق.

وبعد أن سطع نجم الأمام الصدر التف شباب الثورة حول مرجعيته الخالدة، وظهر هذا الولاء بشكل واضح في أول صلاة جمعة تقام فيها، فزحفت مئات الآلاف منهم لإجابة النداء المقدس وكانت الإعداد تتزايد رجالاً ونساء.

وكما قال السيد الشهيد محمّد باقر الصدر "الثورة تنطلق من الثورة" فقد تحققت هذه المقولة بعد استشهاده بسبعة عشر عاماً، وثارت الثورة ليس بوجه النظام فحسب بل بوجه كُلّ التوقعات الباطلة التي كانت تدور حول مستقبل هذه المدينة وبوجه الساكتين والذين حاولوا أن يجعلوا الثورة ذيلاً من الذيول، إذ ركزت الجهات الأخرى بشدة لاستيعاب هذه المدينة بواسطة عدد ممن يعملون لهم، وكانت الثورة فرس الرهان التي كانوا يعقدون الآمال عليها في المستقبل.

ولكن ما حدث هو أن الثورة تركت كُلّ المغريات وسارت وراء مرجعها المظلوم لتسطر من جديد امجادها بدماء أبناءها.

إحداث الثورة

لا يكفي في هذه العجالة أن استوعب إحداث هذه المدينة خلال فترة زعامة الأمام الصدر ولكني اذكر نزراً يسيراً منها مراعاة للاختصار ومن أهمها ما حدث سنة 1996 وما عرف بأحداث اليماني.

كان في الثورة رجل دين معروف هو الشيخ عبد الزهرة البديري، قد درس المقدمات الحوزوية في سامراء وهو يصلّي في مسجد (سيدي شباب أهل الجنّة) الكائن في الثورة - الكيارة قطاع - 23 وابتدأ نشاطه الفعلي سنة 1992 - 91م وتجمّع حوله المئات من الشباب من مختلف مناطق بغداد وبعد مدة ظهر له بعض الأنصار يدّعون بأن الشيخ هو اليماني الذي تبشر به الروايات والذي يسبق ظهور الأمام (ع)، وكان قائد هذه الدعوة هو الشيخ المعروف بأبي مهيمن والذي أسمى نفسه (شعيب بن صالح)، وكان الشيخ البديري في بادئ الأمر يلمّح لهذا الادعاء ولكن بطرق غير واضحة كأن يقول: أنّه رأى في المنام أنّه قائد بين يدي الأمام (ع)، أو أنّه يقتل الآخرين، ولم يفصح عن أصل الدعوى صراحة إلا بين عدد من خواصه، وعندما انتشرت هذه الدعوة تأثر بها عدد كبير من الناس.

وكان أبو مهيمن يوزّع المناصب في جيش الأمام المزعوم، فهذا حامل الراية وذاك الساقي وهكذا.

وقد احتج البعض على هذه الحركة المشبوهة فهددوه بالقتل فأصبحت هذه الحركة قوة لا يستهان بها.

بعد وفاة السيد السبزواري عرض عليه أحد اتباعه بطبع رسالة عملية بأسمه، فقال: الساحة غير محتاجة اليّ الآن ولكن عندما تقل العلماء فسوف اطبع رسالتي. وكانوا يخاطبونه - بآية الله العظمى المرجع الديني الكبير عبد الزهرة البديري وكانت عند هذه الحركة أوامر بالاستعداد للصيحة في كُلّ يوم 23 من شهر رمضان فكانوا يجمعون الخبز اليابس وغيره من الأغذية.

قامت الحرب بينهم وبين عدد من الطلبة في الحوزة في مدينة الثورة فهاجمهم طلبة الحوزة من على المنابر فاهدروا دمّ أحد الطلبة من مقلّدي الأمام الصدر.

حاصره بعض الطلبة ممن له علاقة مسبقة معه حول إدعاء كونه اليماني فأنكر بشدة، فهدده بأن هذه الدعوى سوف تصل إلى النجف وسوف تصدر فيك فتوى بتفسيقك وطلب منه أن يرتقي المنبر ويكذّب هذا الادعاء ويتبرأ منه.

ولما جاء الموعد ارتقى المنبر وتبرأ من كونه مجتهداً فحسب ولم يذكر دعوى اليماني.

كانت عندهم شعائر غريبة، وكان أبو مهيمن مساعد الشيخ مقدّساً يقبّلون يديه ورجليه ويجلسون بين يديه ساعات عديدة ولا يحق لا حدّ الاعتراض على أي أمر مهما كان.

أُعتقلهم النظام فحكم على البعض بالسجن وهرب آخرون وأما الشيخ البديري وأبو مهيمن فقد سلم النظام إلى ذويهم اوراقاً فيها اخبار باعدامهم ولكن لم يسلّموا